أحمد زكي صفوت

31

جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة

ولاة الشرّ يجمعون مع جهلهم العجب والاستغناء ، ويستوثق لنفسه بالحجّة ، ويتخذها على رعيته فيما يلطف له من الفحص عن أمورهم ، كما كان أولئك يكتفون بالدّعة ، ويرضون بدحوض « 1 » الحجة ، وانقطاع العذر في الامتناع أن يجترئ عليهم أحد برأي أو خبر ، مع تسليط الذّئاب « 2 » ، وقد عصم اللّه أمير المؤمنين - حين أهلك عدوّه ، وشفى غليله ، ومكّن له في الأرض ، وآتاه ملكها وخزائنها - من أن يشغل نفسه بالتمتّع والتفيّش « 3 » ، والتأثّل والأخلّاء « 4 » ، وأن يرضى ممن آوى « 5 » بالمتاع به ، وقضاء حاجة النفس منه ، وأكرم اللّه أمير المؤمنين باستهانة ذلك واستصغاره إياه ، وذلك من أبين علامات السعادة ، وأتجح الأعوان على الخير ، وقد قصّ اللّه عز وجل علينا من نبأ يوسف بن يعقوب : أنه لمّا تمّت نعمة اللّه عليه ، وآتاه الملك ، وعلّمه من تأويل الأحاديث ، وجمع له شمله ، وأقرّ عينه بأبويه وإخوته ، أثنى على اللّه عزّ وجل بنعمته ، ثم سلاعما كان فيه ، وعرف أن الموت وما بعده هو أولى ، فقال : « تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ » . وفي الذي قد عرفنا من طريقة أمير المؤمنين ما يشجّع ذا الرأي على تناوله بالخبر فيما ظنّ أنه لم يبلغه إياه غيره ، وبالتذكير بما قد انتهى إليه ، ولا يزيد صاحب الرأي على أن يكون مخبرا أو مذكّرا ، وكلّ عند أمير المؤمنين مقبول إن شاء اللّه ، مع أن مما يزيد ذوى الألباب نشاطا إلى إعمال الرأي فيما يصلح اللّه به الأمة في يومها ، أو غابر دهرها ، الذي أصبحوا قد طمعوا فيه ، ولعل ذلك أن يكون على يدي أمير

--> ( 1 ) دحضت الحجة كمنع دحوضا : بطلت . ( 2 ) في الأصل « الديان » وهو تحريف . ( 3 ) في الأصل « التفتيش » وهو تحريف ، والتفيش : ادعاء الشئ والفخر به باطلا ، ويقال : فاش الرجل فيشا : أي افتخر وتكبر ولا شئ عنده ، وفلان فياش : إذا كان نفاخا بالباطل وليس عنده طائل ، وتأثل المال : جمعه . ( 4 ) في الأصل والإخلاد وهو صحيح على تقدير : والإخلاد إلى الدعة والرفاهية : أي الميل إليها ، وأرى أنه « الأخلاء » ويقوى ذلك ما بعده . ( 5 ) أي ممن آواه .