أحمد زكي صفوت

32

جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة

المؤمنين ، فإن مع الطمع الجدّ ، ومع اليأس القعود ، وقلما ضعف الرّجاء إلّا ذهب الرّخاء ، وطلب المؤيس عجز ، وطلب الطامع حزم ، ولم ندرك الناس نحن وآباؤنا إلّا وهم يرون فيها خلالا تقطع الرأي ، وتمسك بالأفواه : من حال وال لم يهمّه الإصلاح ، أو أهمّه ذلك ، ولم يثق فيه بفضل رأى ، أو كان ذا رأى ليس مع رأيه صول بصرامة أو حزم ، أو كان ذلك استئثارا منه على الناس بنشب « 1 » ، أو قلة تقدّم لما يجمع أو يقسم ، أو حال أعوان تبتلى بهم الولاة ليسوا على الخير بأعوان ، وليس لهم إلى اقتلاعهم سبيل ، لمكانهم من الأمر ، ومخافة الدّول « 2 » والفساد إن هو هاجهم أو انتقص ما في أيديهم ، أو حال رعيّة متّزرة « 3 » ، ليس لها من أمرها النّصف في نفسها ، فإن أخذت بالشدة حميت ، وإن أخذت باللين طغت ، وكل هذه الخلائق قد طهّر اللّه منها أمير المؤمنين ، فآتاه اللّه ما آتاه في نيّته ومقدرته وعزمه ، ثم لم يزل يرى ذلك منه الناس ، حتى عرفه منه جهّالهم ، فضلا عن علمائهم ، وصنع اللّه لأمير المؤمنين ألطف الصّنع في اقتلاع من كان يشركه في أمره على غير طريقته ورأيه ، حتى أراحه اللّه وآمنه منهم ، بما جعلوا من الحجّة والسبيل على أنفسهم « 4 » ، وما قوّى اللّه عليه أمير المؤمنين في رأيه واتباعه مرضاته ، وأذلّ اللّه لأمير المؤمنين رعيّته ، بما جمع له من اللين والعفو ، فإن لان لأحد منهم ففي الإثخان « 5 » له شهيد على أن ذلك ليس بضعف ولا مصانعة ، وإن اشتدّ على أحد منهم ففي العفو شهيد على أن ذلك ليس بعنف ولا خرق ، مع أمور سوى ذلك نكفّ عن ذكرها كراهة أن نكون كأنّا نصبنا للمدح ، فما أخلق هذه الأشياء أن تكون عتادا « 6 » لكل جسيم من الخير في الدنيا والآخرة ، واليوم والغد ، والخاصة والعامّة ، وما أرجانا لأن يكون أمير المؤمنين

--> ( 1 ) النشب : المال الأصيل . ( 2 ) جمع دولة : وهي انقلاب الزمان . ( 3 ) اتزر : ركب الوزر بالكسر أي الذنب والإثم ، والنصف : الإنصاف . ( 4 ) يعرض بأبى مسلم الخراساني . ( 5 ) أثخنه : غلبه وأوهنه ، وفي الأصل « ففي الإلحان » وأراه محرفا . ( 6 ) العتاد : العدة .