أحمد زكي صفوت
498
جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة
فأيقظوا رحمكم اللّه نائمكم ، وأجمعوا على حقكم ، وتجرّدوا لحرب عدوكم ، قد أبدت الرّغوة عن الصّريح « 1 » ، وبان الصّبح لذي عينين ، إنما تقاتلون الطّلقاء ، وأبناء الطلقاء ، وأولى الجفاء ، ومن أسلم كرها ، وكان لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنف « 2 » الإسلام كلّه حربا ، أعداء اللّه والسنة والقرآن ، وأهل الأحزاب ، والبدع ، والأحداث ، ومن كانت بوائقه « 3 » تتّقى ، وكان على الإسلام مخوفا « 4 » ، أكلة الرّشا وعبدة الدنيا ، لقد أنهى « 5 » إلىّ أن ابن النابغة لم يبايع معاوية حتى أعطاه ، وشرط عليه أن يعطيه إتاوة هي أعظم مما في يديه من سلطانه ، ألا صفرت « 6 » يد هذا البائع دينه بالدنيا ، وتربت يد هذا المشترى نصرة غادر فاسق بأموال المسلمين ، وإن منهم لمن قد شرب فيكم الخمر ، وجلد حدّا في الإسلام ، يعرف بالفساد في الدين والفعل السيئ ، وإن فيهم من لم يسلم حتى رضخ له على الإسلام رضيخة « 7 » ، فهؤلاء قادة القوم ،
--> ( 1 ) رغوة اللبن مثلثة : زبده ( بالتحريك ) ، والصريح : اللبن الخالص الذي ذهبت رغوته ، وأبداه : أظهره ، وهو هنا بمعنى كشف عنه : أي كشفت الرغوة عن الصريح وأظهرته . وهو مثل يضرب عند انكشاف الأمر وظهوره ، وقد رواه الميداني في مجمع الأمثال « أبدى الصريح عن الرغوة » وقال في شرحه : « أبدى لازم ومتعد ، يقال : أبديت في منطقك أي جرت ، فعلى هذا يكون المعنى بدا الصريح عن الرغوة ، وإن جعلته متعديا فالمفعول محذوف أي أبدى الصريح نفسه . وأقول نعم قد ورد أبدى لازما بمعنى جار كما ذكر ، لكن ذلك المعنى ليس مما نحن فيه ، ثم قال : « وهذا المثل لعبيد اللّه بن زياد قاله الهانئ بن عروة المرادي ، وكان مسلم بن عقيل بن أبي طالب رحمه اللّه قد استخفى عنده أيام بعثه الحسين ابن علي رضوان اللّه عليهما ، فلما عرف مكانه عبيد اللّه أرسل إلى هانئ فسأله فكتمه فتوعده وخوفه ، فقال هانئ : هو عندي ، فعندها قال عبيد اللّه : « أبدى الصريح عن الرغوة » أي وضح الأمر وبان ، ومن كتاب الإمام الذي نحن بصدد شرحه تعرف أن عبيد اللّه قد تمثل بهذا المثل وليس بصاحبه ، ومن أمثالهم في هذا المعنى أيضا « صرح المخض عن الزبد » بضم الزاي أي انكشف الأمر وتبين . ( 2 ) أنف كل شئ : أوله . ( 3 ) البوائق جمع بائقة : وهي الداهية ، والرشا بالضم والكسر جمع رشوة مثلثة وهي الجعل بالضم ( 4 ) وفي الإمامة والسياسة « وكان عن الدين منحرفا » . ( 5 ) أنهى الشئ : أبلغه ، وفي الإمامة والسياسة « لقد نمى إلى » أي أبلغت أيضا ، وابن النابغة هو عمرو بن العاص وقد تقدم . ( 6 ) صفر كفرح : خلا ، ويقال : تربت يداه ، أي لا أصاب خيرا ، وفي ابن أبي الحديد « وخزيت أمانة هذا المشترى . . . » . ( 7 ) انظر ص 482 .