أحمد زكي صفوت
499
جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة
ومن تركت ذكر مساوئه من قادتهم مثل من ذكرت منهم ، بل هو شرّ وأضرّ ، وهؤلاء الذين ذكرت لو ولوا عليكم لأظهروا فيكم الكبر ، والفخر ، والفجور ، والتسلط بجبرية « 1 » ، والتطاول بالغضب ، والفساد في الأرض ، ولا تبعوا الهوى وما حكموا بالرشاد ، ولأنتم على ما فيكم من تخاذل وتواكل خير منهم وأهدى سبيلا ، فيكم الحكماء ، والعلماء والفقهاء والنجباء ، وحملة القرآن ، والمتهجّدون بالأسحار ، والعبّاد ، والزّهّاد في الدنيا ، وعمّار المساجد بتلاوة القرآن ، أفلا تسخطون وتنقمون « 2 » أن ينازعكم الولاية عليكم سفهاؤكم والأشرار الأراذل منكم ؟ فاسمعوا قولي إذا قلت ، وأطيعوا أمرى إذا أمرت ، واعرفوا نصيحتى إذا نصحت ، واعتقدوا حزمى إذا حزمت ، والتزموا عزمي إذا عزمت ، وانهضوا لنهوضى ، وقارعوا من قارعت ، فو اللّه لئن أطعتمونى لا تغوون : ولئن عصيتمونى لا ترشدون ، ولا تجتمعون خذوا للحرب أهبتها ، وأعدّوا لها عدّتها ، فإنها قد شبّت نارها ، وعلا سناها « 3 » وتجرّد لكم فيها الفاسقون ، كي يعذّبوا عباد اللّه ، ويطفئوا نور اللّه . عباد اللّه : ألا إنه ليس أولياء الشيطان من أهل الطمع والمكر والجفاء ، بأولى في الجدّ في غيّهم وضلالهم وباطلهم ، من أهل النزاهة والبر ، والحق والإخبات « 4 » ، بالجدّ في حقهم ، وطاعة ربهم ، ومناصحة إمامهم . إني واللّه لو لقيتهم وحيدا منفردا ، وهم ملء الأرض ما باليت بهم ولا استوحشت منهم ، وإني من ضلالهم الذي هم فيه ، والهدى الذي نحن عليه ، لعلى ثقة وبيّنة ، ويقين وبصيرة من ربى ، وإني إلى لقاء ربى لمشتاق ، ولحسن ثوابه لمنتظر راج ، ولكن أسفا يعتريني ، وحزنا يخامرنى ، أن يلي أمر هذه الأمة سفهاؤها وفجارها ، فيتخذوا مال اللّه دولا ، وعباد اللّه خولا ، والصالحين حربا ، والقاسطين حزبا .
--> ( 1 ) وفي الإمامة والسياسة « بالجبروت » وهما واحد . ( 2 ) وفي ابن أبي الحديد « وتهتمون » ( 3 ) السنا : الضوء الساطع . ( 4 ) أخبت : خشع وتواضع .