أحمد زكي صفوت
495
جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة
القذى « 1 » ، وتجرّعت ربقى على الشّجى ، وصبرت من كظم الغيظ على أمرّ من العلقم طعما ، وآلم للقلب من حزّ الشّفار « 2 » ، حتى إذا نقمتم على عثمان أتيتموه فقتلتموه ، ثم جئتموني لتبايعونى فأبيت عليكم وأبيتم علىّ ، وأمسكت يدي فنازعتموني ودافعتمونى وبسطتم يدي فكففتها ، ومددتموها فقبضتها ، وازدحمتم علىّ حتى ظننت أن بعضكم قاتل بعض ، أو أنكم قاتلىّ ، فقلتم : بايعنا ، لا نجد غيرك ولا رضى إلا بك ، بايعنا لا نفترق ولا تختلف كلمتنا ، فبايعتكم ، ودعوتم الناس إلى بيعتي ، فمن بايع طوعا قبلته ، ومن أبى لم أكرهه وتركته ، فأول من بايعني طلحة والزبير ، ولو أبيا ما أكرهتهما كما لم أكره غيرهما ، فما لبثا إلا يسيرا حتى بلغني أنهما قد خرجا من مكة متوجّهين إلى البصرة ، في جيش ما منهم رجل إلا وقد أعطاني الطاعة ، وسمح لي بالبيعة ، فقدما على عاملي وخزّان بيت مالي ، وعلى أهل مصرى الذين كلهم على بيعتي وفي طاعتي ، فشتّتوا كلمتهم ، وأفسدوا علىّ جماعتهم ، ثم وثبوا على شيعتي ، فقتلوا طائفة منهم غدرا ، وطائفة صبرا « 3 » ، ومنهم طائفة غضبوا للّه ولي ، فشهروا سيوفهم وضربوا بها ، حتى لقوا اللّه عز وجل صابرين محتسبين ، فو اللّه لو لم يصيبوا منهم إلا رجلا واحدا متعمدين لقتله ، لحلّ لي بذلك قتل الجيش بأسره ، فدع ما أنّهم قد قتلوا من المسلمين أكثر من العدّة التي دخلوا بها عليهم ، وقد أدال « 4 » اللّه منهم ، فبعدا للقوم الظالمين . ثم إني نظرت في أمر أهل الشأم ، فإذا هم أعراب وأحزاب ، وأهل طمع جفاة طغاة « 5 » ، تجمعوا من كل أوب ، ممن ينبغي أن يؤدّب ، وأن يولّى عليه ، ويؤخذ على
--> ( 1 ) القذى : ما يقع في العين وفي الشراب ، والشجى : ما اعترض في الحلق من عظم ونحوه : ( 2 ) الشفار : جمع شفرة بالفتح ، وهي السكين العظيم . ( 3 ) صبر الإنسان على القتل : أن يحبس ويرمى حتى تموت . ( 4 ) أي نصرنا عليهم . ( 5 ) وفي الإمامة والسياسة : « طغام » والطغام كسحاب : أوغاد الناس ، والأوب : الطريق والجهة .