أحمد زكي صفوت

496

جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة

يديه ، ليسوا من الأنصار ، ولا المهاجرين ، ولا التابعين بإحسان ، فسرت إليهم فدعوتهم إلى الطاعة والجماعة ، فأبوا إلا شقاقا ونفاقا ، ونهضوا في وجوه المهاجرين والأنصار ، ينضحونهم « 1 » بالنّبل ، ويشجرونهم بالرماح ، فهنالك نهدت « 2 » إليهم فقاتلتهم ، فلما عضّهم السلاح ، ووجدوا ألم الجراح ، رفعوا المصاحف يدعونكم إلى ما فيها ، فنبأتكم أنهم ليسوا بأهل دين ولا قرآن ، وإنما رفعوها مكيدة وخديعة ، ووهنا وضعفا ، فامضوا على حقكم وقتالكم ، فأبيتم علىّ واتهمتمونى ، وقلتم : اقبل منهم ، فإنهم إن أجابوا إلى ما في الكتاب جامعونا على ما نحن عليه من الحق ، وإن أبوا كان أعظم لحجّتنا عليهم ، فقبلت منهم ، وكففت عنهم إذ ونيتم وأبيتم ، فكان الصلح بينكم وبينهم على رجلين حكمين يحييان ما أحيا القرآن ، ويميتان ما أمات القرآن ، فاختلف رأيهما ، وتفرّق حكمهما ، ونبذا حكم القرآن ، وخالفا ما في الكتاب ، واتّبعا هواهما بغير هدى من اللّه فجنّبهما اللّه السّداد ، وأهوى بهما في غمرة الضلال « 3 » ، وكانا أهل ذلك ، فانخذلت عنا فرقة منا ، فتركناهم ما تركونا ، حتى إذا عاثوا في الأرض مفسدين ، وقتلوا المؤمنين ، أتيناهم فقلنا لهم : ادفعوا إلينا قتلة إخواننا ، ثم كتاب اللّه بيننا وبينكم ، فقالوا : كلنا قتلهم ، وكلنا استحللنا دماءهم ودماءكم ، وشدّت علينا خيلهم ورجالهم ، فصرعهم اللّه مصارع القوم الظالمين . فلما كان ذلك من شأنهم ، أمرتكم أن تمضوا من فوركم ذلك إلى عدوكم ، فإنه أفزع لقلوبهم ، وأنهك لقواهم ، وأهتك لكيدهم ، فقلتم : كلّت أذرعنا وسيوفنا ، ونفدت نبالنا ، ونصلت « 4 » أسنّة رماحنا ، وعاد أكثرها قصدا ، فأذن لنا فلنرجع

--> ( 1 ) نضحه بالنبل كنفع : رماه ورشقه ، وشجره بالرمح كقتل : طعنه به . ( 2 ) نهد إلى العدو كنفع وقتل : نهض . ( 3 ) وفي ابن أبي الحديد « ودلاهما في الضلالة » ، وفيه : « حتى إذا عثوا في الأرض يقتلون ويفسدون » وعاث وعثا : أفسد . ( 4 ) نصل السهم : فهو ناصل خرج منه النصل ( والنصل : حديدة السهم والرمح ) ورمح قصد ككتف وقصيد وأقصاد : متكسر .