أحمد زكي صفوت
472
جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة
فيه الكبير ، وتذهل كلّ مرضعة عمّا أرضعت ، واحذروا يوما عبوسا قمطريرا « 1 » ، كان شرّه مستطيرا « 2 » ، أما إن شرّ ذلك اليوم وفزعه استطار حتى فزعت منه الملائكة الذين ليست لهم ذنوب ، والسّبع الشّداد ، والجبال الأوتاد ، والأرضون المهاد « 3 » ، وانشقّت السّماء فهي يومئذ واهية ، وتغيّرت ، فكانت وردة كالدّهان « 4 » وكانت الجبال سرابا بعد ما كانت صمّا صلابا ، يقول اللّه سبحانه : « وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ » فكيف بمن يعصيه بالسّمع والبصر واللسان ، واليد ، والرجل ، والفرج ، والبطن ، إن لم يغفر اللّه ويرحم ؟ واعلموا عباد اللّه أنّ ما بعد ذلك اليوم أشدّ وأدهى : نار قعرها بعيد ، وحرّها شديد ، وعذابها جديد ، ومقامعها « 5 » حديد ، وشرابها صديد ، لا يفتر عذابها ، ولا يموت ساكنها ، دار ليست للّه سبحانه فيها رحمة ، ولا يسمع فيها دعوة ، ومع هذا رحمة اللّه التي وسعت كلّ شئ لا تعجز عن العباد ، وجنّة عرضها كعرض السماء والأرض خير لا يكون معه شرّ أبدا ، وشهوة لا تنفدا أبدا ، ولذّة لا تفنى أبدا ، ومجمع لا يتفرّق أبدا ، قوم قد جاوروا الرحمن ، وقام بين أيديهم الغلمان ، بصحاف من ذهب فيها الفاكهة والرّيحان ، وأن أهل الجنة يزورون الجبّار سبحانه في كل جمعة فيكون أقربهم منه على منابر من نور ، والذين يلونهم على منابر من ياقوت ، والذين يلونهم على منابر من مسك ، فبيناهم كذلك ينظرون نور اللّه جلّ جلاله ، وينظر اللّه في وجوههم ، إذ أقبلت سحابة تغشاهم فتمطر عليهم من النّعمة واللّذّة والسرور والبهجة ما لا يعلمه إلا اللّه سبحانه ، ومع هذا ما هو أفضل منه : رضوان اللّه الأكبر ، أما إنّا لو لم نخوّف
--> ( 1 ) أي شديد العبوس . ( 2 ) أي منتشرا ( 3 ) يشير إلى قوله تعالى « أَ لَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهاداً وَالْجِبالَ أَوْتاداً » وإلى قوله « وَبَنَيْنا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِداداً » . ( 4 ) أي حمراء كالوردة مذابة كالدهن ، وهو اسم لما يدهن به وجمعه أدهان ودهان ، والدهان أيضا : الأديم الأحمر . ( 5 ) المقامع : جمع مقمعة كمكنسة ، وهي عمود من حديد .