أحمد زكي صفوت
473
جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة
إلا ببعض ما خوّفنا به لكنا محقوقين أن يشتدّ خوفنا مما لا طاقة لنا به ، ولا صبر لقوّتنا عليه ، وأن يشتدّ شوقنا إلى ما لا غنى لنا عنه ، ولا بدّ لنا منه ، فإن استطعتم عباد اللّه أن يشتدّ خوفكم من ربكم فافعلوا ، فإن العبد إنما تكون طاعته على قدر خوفه ، وإنّ أحسن الناس للّه طاعة أشدّهم له خوفا . وانظر يا محمد : صلاتك كيف تصلّيها ، فإنما أنت إمام ينبغي لك أن تتمّها ، وأن تحفظها بالأركان ، وأن تصلّيها لوقتها ، فإنه ليس من إمام يصلّى يقوم فيكون في صلاته وصلاتهم نقص ، إلا كان إثم ذلك عليه ، ولا ينقص من صلاتهم شئ . واعلم أن كل شئ من عملك يتبع صلاتك ، فمن ضبّع الصلاة فهو لغيرها أشدّ تضييعا ، ووضوءك من تمام الصلاة فأت به على وجهه ، فالوضوء نصف الإيمان ، أسأل اللّه الذي يرى ولا يرى ، وهو بالمنظر الأعلى ، أن يجعلنا وإياك ممن يحبّه ويرضاه ، حتى يبعثنا على شكره وذكره وحسن عبادته وأداء حقه ، وعلى كل شئ اختاره لنا في دنيانا وديننا ، وأولانا وأخرانا ، وأن يجعلنا من المتقين الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون . فإن استطعتم يأهل مصر أن تصدق أقوالكم وأفعالكم ، وأن يتوافق سرّكم وعلانيتكم ، ولا تخالف ألسنتكم قلوبكم فافعلوا ، رحمكم اللّه وعصمنا وإياكم ، وسلك بنا وبكم المحجّة « 1 » البيضاء ، وإياكم ودعوة الكذّاب ابن هند ، وتأمّلوا واعلموا أنه لا سواء ، وإمام الهدى وإمام الرّدى ، ووصىّ النبي ، وعدوّ النبي ، جعلنا اللّه وإياكم ممن يحبّ ويرضى ، ولقد سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله يقول : « إني لا أخاف على أمتي مؤمنا ولا مشركا ، أمّا المؤمن فيمنعه اللّه بإيمانه ، وأما المشرك فيخزيه اللّه بشركه ، ولكني أخاف عليكم كل منافق اللسان يقول ما تعرفون ، ويفعل ما تنكرون » .
--> ( 1 ) المحجة : جادة الطريق .