أحمد زكي صفوت

471

جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة

واعلموا عباد اللّه أن الموت ليس منه فوت ، فاحذروه وأعدّوا له عدّته ، فإنكم طرداء الموت ، إن أقمتم أخذكم ، وإن هربتم أدرككم ، وهو ألزم لكم من ظلّكم ، معقود بنواصيكم ، والدنيا تطوى من خلفكم ، فأكثروا ذكر الموت عندما تنازعكم إليه أنفسكم من الشّهوات ، فإنه كفى بالموت واعظا ، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله : « أكثروا ذكر الموت فإنه هادم اللّذات » ، واعلموا عباد اللّه أن ما بعد الموت أشدّ من الموت لمن لم يغفر اللّه له ويرحمه ، واحذروا القبر وضمّته ، وضيقه وظلمته ، فإنه الذي يتكلم كل يوم يقول : « أنا بيت التراب ، وأنا بيت الغربة ، وأنا بيت الدّود » والقبر روضة من رياض الجنة ، أو حفرة من حفر النّار ، وأن المسلم إذا مات قالت له الأرض : مرحبا وأهلا ، قد كنت ممن أحبّ أن تمشى على ظهري ، فإذا وليتك فستعلم كيف صنعي بك ، فتتّسع له مدّ بصره « 1 » ، وإذا دفن الكافر . قالت له الأرض : لا مرحبا ولا أهلا ، قد كنت ممن أبغض أن تمشى على ظهري ، فإذا وليتك فستعلم كيف صنعي بك ، فتنضمّ عليه حتى تلتقى أضلاعه ، واعلموا أن المعيشة الضّنك التي قال سبحانه : « فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً « 2 » » هي عذاب القبر ، وأنه يسلّط على الكافر في قبره حيّات عظام تنهش لحمه حتى يبعث ، لو أن تنّينا « 3 » منها نفخ الأرض ما أنبت الزرع أبدا . واعلموا عباد اللّه أن أنفسكم وأجسادكم الرقيقة الناعمة التي يكفيها اليسير من العقاب ضعيفة عن هذا ، فإن استطعتم أن ترحموا أنفسكم وأجسادكم مما لا طاقة لكم به ، ولا صبر لكم عليه ، فتعملوا بما أحبّ اللّه سبحانه ، وتتركوا ما كره فافعلوا ، ولا حول ولا قوّة إلا باللّه . واعلموا عباد اللّه أن ما بعد القبر أشدّ من القبر ، يوم يشيب فيه الصغير ، ويسكر

--> ( 1 ) أي قدر مد بصره . ( 2 ) الضنك : الضيق في كل شئ ، للذكر والأنثى . ( 3 ) أي حية عظيمة .