أحمد زكي صفوت
418
جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة
أما بعد : فقد أتتني منك موعظة موصّلة « 1 » ، ورسالة محبّرة ، نمقّتها بضلالك ، وأمضيتها بسوء رأيك ، وكتاب امرئ ليس له بصر يهديه ، ولا قائد يرشده ، قد دعاه الهوى فأجابه ، وقاده الضلال فاتّبعه ، فهجر « 2 » لا غطا ، وضلّ خابطا ، فأما أمرك بالتقوى فأرجو أن أكون من أهلها ، وأستعيذ باللّه من أن أكون من الذين إذا أمروا بها أخذتهم العزّة بالإثم ، وأما تحذيرك إياي أن يحيط عملي وسابقتى في الإسلام ، فلعمري لو كنت الباغي عليك ، لكان لك أن تحذّرنى ذلك ، ولكني وجدت اللّه تعالى يقول : « فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ « 3 » إِلى أَمْرِ اللَّهِ » فنظرنا إلى الفئتين ، أما الفئة الباغية فوجدناها الفئة التي أنت فيها ، لأن بيعتي بالمدينة لزمتك وأنت بالشأم ، كما لزمتك بيعة عثمان بالمدينة ، وأنت أمير لعمر على الشأم ، وكما لزمت يزيد أخاك بيعة عمر ، وهو أمير لأبى بكر على الشأم . وأما شقّ عصا هذه الأمة ، فأنا أحق أن أنهاك عنه ، فأما تخويفك لي من قتل أهل البغى ، فإن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله أمرني بقتالهم وقتلهم وقال لأصحابه : « إن فيكم من يقاتل على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله » وأشار إلىّ ، وأنا أولى من اتّبع أمره ، وأما قولك إن بيعتي لم تصح ، لأن أهل الشأم لم يدخلوا فيها ، فكيف ؟ وإنما هي بيعة واحدة ، تلزم الحاضر والغائب ، لا يثنّى « 4 » فيها النظر ، ولا يستأنف فيها الخيار « 5 » ، الخارج منها طاعن « 6 » ، والمروّى « 7 » فيها مداهن ، فأربع
--> ( 1 ) أي ملفقة من كلام مختلف جمع من هاهنا وهاهنا ووصل بعضه ببعض فبدا متكلفا غير متسق ، ومحبرة : أي محسنة مزينة ونمق الكتاب : حسنه وزينه أيضا . ( 2 ) هجر في نومه ومرضه هجرا بالضم : أي هذى ، واللاغط : ذو اللغط ( كشمس وسبب ) وهو الصوت والجلبة ، أو أصوات مبهمة لا تفهم وخبط البعير فهو خابط : إذا مشى ضالا فخبط بيديه كل ما يلقاه لا يتوقى شيئا . ( 3 ) أي ترجع . ( 4 ) أي لا ينظر فيها ثانية . ( 5 ) أي لا خيار لمن عقدها ولا لغيرهم فيها بعد عقدها . ( 6 ) أي طاعن على الأمة التي دلت الإمام باختيارها . ( 7 ) روى في الأمر نظر وفكر ، أي الذي يفكر ويروى فيها ويبطئ عن الطاعة مداهن أي منافق .