أحمد زكي صفوت

4

جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة

الإمام علىّ كرم اللّه وجهه ، إلا ما اقتضاه المقام : مما كان حلقة مكملة لسلسلة مكاتبات ، أو رسالة مختصرة عثرت على تتمتها في مصدر آخر ، أو ما شا كل ذلك . وقد أخرجت هذه الجمهرة على غرار سابقتها ، ونهجت فيها منهجها ، فدأبت على التوفيق بين الروايات المختلفة للرسالة الواحدة ، وصنعت منها صورة كاملة تؤلف بين أشتاتها ، وعنيت بضبط المشكل من ألفاظها ، وتصحيح المحرف ، وتحقيق المشوّه منها ، ورده إلى أصله ، وشفعتها بنبذة تاريخية توضح المقام الذي كتبت فيه ، وذيلتها بشرح مسهب يجلى للقارئ فحواها . ولست أغلو إن قلت إن ذلك الشرح بما حواه من فوائد لغوية ، وفرائد أدبية ، وطرائف تاريخية ، حرىّ أن بعد كتابا قائما بذاته . وإخالنى بإصدار هاتين الجمهرتين قد عبّدت طريق النثر القديم : الخطابي والكتابي : للمتأدبين ، ووطأت لهم مهاده ، ويسرت لمؤرخي الأدب العربي أن يتصفحوا خطب كل عصر ورسائله مجتمعة الشمل ، قريبة المأخذ ، سائغة التناول ، ووفّرت عليهم ما يضطرهم إليه البحث من بذل مجهود شاق ، وإضاعة وقت طويل ، في التنقيب عنها ، وما تتطلبه من التحقيق والتعليق . كما أراني قد حببت إلى شبابنا المتعلمين أن يجتنوا من ثمر الأدب العربي الشهى ، وينهلوا من مناهله العذبة ، ويلفوا فيه من فصاحة اللسان ، ورصانة البيان ، ما يؤمنون معه بثراء لغتهم ، وعلوّ كعبها ، وسمو مكانتها ؛ بين لغات الأمم ، أجل لقد كان من أكبر البواعث التي حدت بي إلى تأليف تينكم الجمهرتين ، ما رأيته في طلابنا المتأدبين من عزوف عن كتب الأدب العربىّ القديم وصدوف عنها ، لأنها عطل من الضبط ، خلو من التعليق والشرح ، فضلا عما أفعمت به من التحريف للشائن ، والتشويه الشنيع ؛ فهم إذا ما تاقت نفوسهم إلى مطالعتها لم يعتموا أن يمسهم الضيق والضجر ، ويستحوذ عليهم السأم والملل ، لوعورة مسلكها ، وصعوبة مرتقاها ، فسرعان ما يطوونها ، ويلقون بها دون أن يفيدوا منها ما ينشدون .