أحمد زكي صفوت

395

جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة

قطعت أبديهم في سبيل اللّه - ولكلّ فضل - حتى إذا فعل بواحدنا « 1 » ما فعل بواحدهم ، قيل الطّيّار في الجنة وذو الجناحين ، ولولا ما نهى اللّه عنه من تزكية المرء نفسه ، لذكر ذاكر « 2 » فضائل جمّة ، تعرفها قلوب المؤمنين ، ولا تمجّها آذان السامعين . فدع عنك من مالت به الرّميّة « 3 » ، فإنا صنائع ربنا « 4 » ، والناس بعد صنائع لنا ، لم يمنعنا قديم عزّنا ، ولا عادىّ طولنا « 5 » على قومك ، أن خلطناكم بأنفسنا ، فنكحنا وأنكحنا ، فعل الأكفاء ، ولستم هناك ، وأنّى يكون ذلك كذلك « 6 » ؛

--> ( 1 ) يعنى جعفر بن أبي طالب قتل في غزوة مؤتة كما تقدم ، وقد قطعت يداه ، أخذ اللواء بيمينه فقطعت ، فأخذه بشماله فقطعت ، فاحتضنه بعضديه حتى قتل واللواء معه لم يلقه ، ولذلك قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : لقد أبدله اللّه بهما جناحين يطير بهما في الجنة ، ولذا سمى الطيار ( ابن أبي الحديد م 3 : ص 405 وأسد الغابة 1 : 288 وسيرة ابن هشام 2 : 253 ) . ( 2 ) يعنى نفسه . ( 3 ) الرمية : الطريدة التي يرميها الصائد ، وهي فعيلة بمعنى مفعولة ، وأنثت لأنها جعلت اسما لا نعتا والمراد بها الدنيا ، والمعنى : دع من مال إلى الدنيا ومالت به أي أمالته إليها : أي لا تستمع لهؤلاء الذين يغرونك بالمضي فيما تطمح إليه من الخلافة طلبا للدنيا وطمعا فيها ، يعرض بعمرو بن العاص فقد مالأ معاوية وشايعه على أن يجعل له مصر طعمة كما قدمنا ، وفي نهاية الأرب « الدنية » وهي الأمر الخسيس . ( 4 ) أي اصطفانا اللّه واختصنا بفضله ، وجعل النبوة في بيتنا ، ومنه فاضت الهداية على الورى ، أي فنحن أحق بالخلافة . ( 5 ) الطول : الفضل ، وعادى : أي قديم ، نسبة إلى عاد إحدى قبائل العرب البائدة . فنكحنا وأنكحنا : أي تزوجنا منكم وزوجناكم منا ، قال ابن أبي الحديد : « وينبغي أن يحمل قوله « قديم » و « عادى » على مجازه لا على حقيقته لأن بني هاشم وبنى أمية لم يفترقا في الشرف إلا مذ نشأ هاشم بن عبد مناف ، وعرف بأفعاله ومكارمه ، ونشأ حينئذ أخوه عبد شمس ، وعرف بمثل ذلك ، وصار لهذا بنون ، ولهذا بنون ، وادعى كل من الفريقين أنه أشرف بالفعال من الآخر ، ثم لم تكن المدة بين نشء هاشم وإظهار محمد صلى اللّه عليه وآله الدعوة إلا نحو تسعين سنة ، ومثل هذه المدة القصبرة لا يقال فيها « قديم عزنا ، وعادى طولنا » فيجب أن يحمل اللفظ على مجازه ، لأن الأفعال الجميلة كما تكون عادية بطول المدة تكون بكثرة المناقب والمآثر والمفاخر وإن كانت المدة قصيرة ، ولفظة قديم ترد ولا يراد بها قدم الزمان ، بل من قولهم لفلان قدم صدق وقديم أثر أي سابقة حسنة اه » وفسره الأستاذ الشيخ محمد عبده فقال . « العادي : الاعتيادى المعروف » والأول هو الصحيح بقرينة قوله قبل « قديم عزنا » وقال أيضا « قديم مفعول يمنع ، وأن خلطناكم فاعله » والصحيح العكس ، وفي رواية صبح الأعشى « ومديد طولنا » . ( 6 ) أي وكيف يكون شرفكم كشرفنا .