أحمد زكي صفوت

396

جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة

ومنا النبىّ ، ومنكم المكذّب « 1 » ؛ ومنا أسد اللّه « 2 » ، ومنكم أسد الأحلاف

--> ( 1 ) يعنى أبا سفيان بن حرب ، كان عدو رسول اللّه والمكذب له والمجلب عليه ، وقال الأستاذ الشيخ محمد عبده في تفسيره ( ونقل عنه ذلك شارح نهاية الأرب ) : « المكذب : أبو جهل » وهو خطأ ، أجل إن أبا جهل كان من ألد أعداء رسول اللّه ، والمكذبين له ، ولكنه ليس من بنى أمية ، بل هو أبو جهل عمرو بن هشام بن المغيرة المخزومي من بنى مخزوم بن مرة من قريش . ( 2 ) يعنى حمزة بن عبد المطلب ، وأسد لأحلاف : يعنى عتبة بن ربيعة . وذلك أنه لما تدانى المسلمون والمشركون في غزوة بدر ، خرج عتبة وشيبة والوليد حتى فصلوا من الصف ثم دعوا إلى المبارزة ، فخرج إليهم فتيان ثلاثة من الأنصار ، فقالوا لهم : من أنتم ؟ قالوا : رهط من الأنصار ، فقالوا : ارجعوا فما لنا بكم من حاجة ، ثم نادى مناديهم : يا محمد أخرج إلينا أكفاءنا من قومنا ، فأخرج لهم صلى اللّه عليه وسلم حمزة وعليا وعبيدة بن الحارث ، فقال حمزة : أنا حمزة بن عبد المطلب ، أسد اللّه وأسد رسوله ، فقال عتبة : كفؤ كريم ، وأنا أسد الحلفاء ، من هذان معك ؟ قال : علي بن أبي طالب وعبيدة بن الحارث بن المطلب ، فقال : كفئان كريمان . قال الواقدي : قال ابن أبي الزناد : حدثني أبى قال : لم أسمع لعتبة كلمة قط أوهن من قوله « أنا أسد الحلفاء » يعنى بالحلفاء الأجمة ( وعلى ذلك فهي بفتح الحاء وسكون اللام ، وهي نبت ينبت في مغايض الماء ، أي أنا أسد الأجمة ، لأن مأوى الأسد الآجام ومنابت الحلفاء ) . قال ابن أبي الحديد : « قلت : قد روى هذه الكلمة على صيغة أخرى « وأنا أسد الحلفاء » يعنى ( بضم ففتح ) وروى « أنا أسد الأحلاف » ( كما جاء في كتاب الإمام على ) قالوا في تفسير هما : أراد أنا سيد أهل حلف المطيبين ( وسنبينه بعد ) ورد قوم هذا التأويل ، فقالوا : إن المطيبين لم يكن يقال لهم الحلفاء ولا الأحلاف ، وإنما ذلك لقب خصومهم وأعدائهم الذين وقع التحالف لأجلهم ، وقال قوم في تفسير هما : إنما عنى حلف الفضول ( وسنبينه بعد أيضا ) وهذا التفسير أيضا غير صحيح لأن بنى عبد شمس لم يكونوا في حلف الفضول ، فقد بان أن ما ذكره الواقدي أصح وأثبت - ( انظر شرح ابن أبي الحديد م 3 : ص 333 ) . غير أن ابن أبي الحديد مع ما ذكره من تفنيد هذين التفسيرين ، لم يبين المراد بالأحلاف أو الحلفاء في رواية من روى « أنا أسد الأحلاف » و « أنا أسد الحلفاء » جمعا ، وأقول : إننا إدا بحثنا عمن قتلوا من مشركي قريش يوم بدر وجدناهم : من بنى عبد شمس بن عبد مناف ، ومن بنى نوفل بن عبد مناف ، ومن بنى أسد بن عبد العزى بن قصي ، ومن بنى عبد الدار بن قصي ، ومن بنى تيم بن مرة بن كعب بن لؤي ، ومن بنى مخروم بن يقظة بن مرة ، ومن بنى جمح بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤي ، ومن بنى سهم ابن عمرو بن هصيص ، ومن بنى عامر بن لؤي : ( راجع كتب السيرة ) أي أن هذه البطون من قريش كانت قد تآزرت واتفقت كلمتها على حرب محمد وإن شئت فقل إنهم قد تحالفوا على قتاله - وإن لم ينقل إلينا التاريخ أنهم قد عقدوا بينهم على ذلك حلفا بمعناه الأخص - ثم ولوا أمرهم عتبة بن ربيعة فكان قائدهم وصاحب حربهم ، فهو إذ يقول : « أنا أسد الأحلاف » يبغى أن يقول إنه أسد هذه البطون القرشية المتناصرة على قتال المسلمين . ومن تفسير الأستاذ الشيخ محمد عبده ( وتابعه أيضا شارح نهاية الأرب ) : « أسد الأحلاف : أبو سفيان . لأنه حزب الأحزاب وحالفهم على قتال النبي في غزوة الخندق » وقد قدمنا لك خبر الأحزاب في ص 275 - وهو تفسير ملائم ، غير أن التنظير في كتاب الإمام يقتضى حينئذ أن يكون المكذب شخصا آخر غير أبي سفيان .