أحمد زكي صفوت

394

جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة

فلان وفلان « 1 » ، فذكرت أمرا إن تم اعتزلك كلّه ، وإن نقص لم يلحقك ثلمه ، وما أنت والفاضل والمفضول ، والسائس والمسوس ؟ وما للطّلقاء ، وأبناء الطلقاء ، والتمييز بين المهاجرين الأولين ، وترتيب درجاتهم ، وتعريف طبقاتهم ؟ هيهات لقد حنّ قدح ليس منها « 2 » ، وطفق يحكم فيها « 3 » من عليه الحكم لها ! ألا تربع أيها الإنسان على ظلمك ، وتعرف قصور ذرعك « 4 » ، وتتأخّر حيث أخّرك القدر ؟ فما عليك غلبة المغلوب ، ولا لك ظفر الظافر ! وإنك لذهّاب في التّيه « 5 » ، روّاغ عن القصد ، ألا ترى - غير مخبر لك ، ولكن بنعمة اللّه أحدّث - أن قوما استشهدوا في سبيل اللّه تعالى من المهاجرين والأنصار - ولكلّ فضل - حتّى إذا استشهد شهيدنا ، قيل : سيّد الشهداء « 6 » ، وخصّه رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله بسبعين تكبيرة عند صلاته عليه « 7 » ، أولا ترى أن قوما

--> ( 1 ) أي أبو بكر وعمر ، وثلمه : أي عيبه ، وفي صبح الأعشى ونهاية الأرب « قله » بالضم ، وهو القلة ، وفيهما أيضا « والسائل والمسؤول » محل « والسائس والمسوس » والرواية التي أوردناها ( وهي رواية نهج البلاغة ) أنسب . ( 2 ) في الأمثال « حن قدح ليس منها » حن : صوت ، والقدح أحد قداح الميسر ، وإذا كان أحد القداح من غير جوهر أخواته ثم أجاله المفيض خرج له صوت يخالف أصواتها ، فيعرف به أنه ليس من جملة القداح ، يضرب للرجل يفتخر بقبيلة ليس هو منها ، أو يتمدح بما لا يوجد فيه ، وها في منها راجعة إلى القداح ، وقد تمثل به عمر بن الخطاب رضى اللّه عنه حين قال له الوليد بن عقبة بن أبي معيط : أقتل من بين قريش ؟ فقال عمر : حن قدح ليس منها ( وقد ذكر جماعة من النسابين أن جد أبيه ذكوان بن أمية بن عبد شمس كان مولى لأمية ، وكان يلقب بالصفورى نسبة إلى صفورية بلد بالأردن ، فتبناه أمية ، فبنوه موال وليسوا من بنى أمية لصلبه - انظر شرح ابن أبي الحديد ( م 1 ص : 154 ) . ( 3 ) أي في الطبقات . ( 4 ) ذرع الإنسان طاقته التي يبلغها . ( 5 ) النية : الضلال والكبر ، وراغ عنه مال وحاد ، والقصد : استقامة الطريق . ( 6 ) هو حمزة بن عبد المطلب ، قتل يوم أحد كما قدمنا وسماه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم سيد الشهداء ، وأشهد مجهولا واستشهد كذلك : قتل في سبيل اللّه . ( 7 ) روى أنه كان عليه السلام كلما أبى بشهيد وضع إلى جنب حمزة فصلى عليه وعلى الشهيد حتى صلى عليه سبعين مرة ، لأن الشهداء في أحد سبعون ( ابن أبي الحديد م 3 : ص 395 ) وجاء في ترجمته في أسد الغابة ج 2 : ص 49 : « عن أنس بن مالك قال : كان النبي صلى اللّه عليه وسلم إذا كبر على جنازة كبر عليها أربعا ، وأنه كبر على حمزة سبعين تكبيرة ، وعن ابن عباس قال : صلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم على حمزة فكبر عليه سبع تكبيرات . ثم لم يؤت بفتيل إلا صلى عليه معه حتى صلى عليه ثنتين وسبعين صلاة » - انظر قول ابن عباس أيضا في سيرة ابن هشام ج 2 ص 87 .