أحمد زكي صفوت

387

جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة

فأراد قومنا قتل نبينا ، واجتياح « 1 » أصلنا ، وهمّوا بنا الهموم ، وفعلوا بنا الأفاعيل « 2 » ، ومنعونا المسيرة ، وأمسكوا عنا العذب ، وأحلسونا « 3 » الخوف ، وجعلوا علينا الأرصاد والعيون ، واضطرّونا إلى جبل وعر « 4 » ، وأوقدوا لنا نار الحرب ، وكتبوا بينهم كتابا « 5 » : لا يؤا كلوننا ولا يشاربوننا ولا ينا كحوننا ولا يبايعوننا ، ولا نأمن منهم حتى ندفع إليهم محمدا يقتلونه ويمثّلون به ، فلم نكن نأمن فيهم إلا من موسم ،

--> ( 1 ) الاجتياح : الاستئصال ، والهموم منصوب على المصدرية وأل فيه عهدية ، أي وهموا بنا تلك الهموم التي تعرفونها . ( 2 ) الأفاعيل جمع أفعولة بالضم : أي فعلوا بنا الأفعال المنكرة ، والمسيرة : المسير ، والعذب : أي العيش العذب أي الهنئ - وقد نقل أنهم منعوا من الماء العذب أيام الحصار في شعب بني هاشم . ( 3 ) أحلسونا الخوف : أي ألزموناه ، والحلس بالكسر وكسبب : كساء رقيق يكون على ظهر البعير تحت الرحل ، وما يبسط في البيت تحت حر المتاع ، وأحلس البعير : إذا جعل عليه الحلس ، ويقال : فلان حلس بيته إذا لم يبرحه على المثل ، فالمعنى : وجعلوا الخوف ملازما لنا كالحلس الملازم لظهر البعير ، أو كالحلس الملازم للبيت ، والرصد بالتحريك : القوم يرصدون كالحرس ، يستوى فيه الواحد والجمع والمؤنث ، وربما قالوا أرصاد ، والعيون : الجواسيس جمع عين . ( 4 ) مثل ضربه عليه السلام لخشونة مقامهم وشظف منزلهم إبان مضايقة قريش لهم ، ويجوز أن يكون حقيقة لا مثلا ، لأن الشعب ( بالكسر ) الذي حصروهم فيه مضيق بين جبلين . ( 5 ) اشتد إيذاء قريش لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وللمسلمين معه أول الإسلام ، وطال عليهم البلاء والعذاب كما هو مشهور . ثم إن قريشا اجتمعوا وأتمروا أن يكتبوا كتابا يتعاقدون فيه على بني هاشم وبني المطلب : على أن لا ينكحوا إليهم ولا ينكحوهم ، ولا يبيعوهم شيئا ولا يبتاعوا منهم ، فكتبوا ذلك في صحيفة وتعاهدوا وتواثقوا عليه ، ثم علقوا الصحيفة في جوف الكعبة تو كيدا على أنفسهم - وكان كاتبها منصور بن عكرمة بن عامر بن هاشم بن عبد مناف - فلما فعلت ذلك قريش انحاز بنو هاشم وبنو المطلب ( مسلمهم وكافرهم ) إلى أبى طالب بن عبد المطلب ، فدخلوا معه في شعبه فاجتمعوا إليه ، وخرج منهم أبو لهب ابن عبد المطلب إلى قريش فظاهرهم على قومه ، وضاق الأمر ببنى هاشم ، وعدموا القوت إلا ما كان يحمل إليهم سرا وخفية ، وهو شئ قليل لا يمسك أرماقهم ، وأخافتهم قريش فلم يكن يظهر منهم أحد ، ولا يدخل إليهم أحد ، وذلك أشد ما لقى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وأهل بيته بمكة ، وأقاموا على ذلك سنتين أو ثلاثا ، حتى ائتمر خمسة نفر من قريش - وهم هشام بن عمرو بن الحارث وزهير بن أبي أمية بن المعيرة والمطعم بن عدي بن نوفل وأبو البختري بن هشام بن الحارث وزمعة بن الأسود ابن المطلب - وتعاقدوا على القيام في الصحيفة حتى ينقضوها ، ( وكان أولهم أحسنهم بلاء في ذلك ) وقام المطعم إليها فحطها وشقها - وذكروا أنهم وجدوا الأرضة قد أكلتها إلا ما كان من باسمك اللهم ، وأن كاتبها شلت يده - فلما مزقت الصحيفة خرج بنو هاشم من حصار الشعب - انظر سيرة ابن هشام ج 1 ص 215 - 229 وشرح ابن أبي الحديد م 3 ص 308 .