أحمد زكي صفوت

388

جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة

فعزم « 1 » اللّه لنا على منعه ، والذّبّ عن حوزته ، والرّمى من وراء حرمته « 2 » ، والقيام بأسيافنا دونه ، في ساعات الخوف بالليل والنهار ، مؤمننا يبغى بذلك الأجر ، وكافرنا يحامى عن الأصل « 3 » ، وأما من أسلم من قريش فإنهم مما نحن فيه خلاء « 4 » ، منهم الحليف الممنوع ، ومنهم ذو العشيرة التي تدافع عنه ، فلا يبغيه أحد بمثل ما بغانا به قومنا من التّلف ، فهم من القتل بمكان نجوة « 5 » وأمن ، فكان ذلك ما شاء اللّه أن يكون . ثم أمر اللّه تعالى رسوله بالهجرة ، وأذن له بعد ذلك في قتال المشركين ، فكان إذا احمرّ الباس « 6 » ، وأحجم الناس ودعيت نزال ، أقام أهل بيته فاستقدموا ، فوقى بهم أصحابه حدّ الأسنّة والسيوف ، فقتل عبيدة « 7 » بن الحارث يوم بدر ، وقتل حمزة يوم أحد ، وقتل جعفر وزيد يوم مؤتة ، وأراد من لو شئت ذكرت اسمه « 8 » مثل الذي أرادوا من

--> ( 1 ) أي قضى اللّه لنا ووفقنا له وجعلنا عازمين عليه ، والذب : الدفع ، والحوزة : الناحية وبيضة الملك . ( 2 ) وفي رواية ابن أبي الحديد « من وراء حومته ، وحومة الماء والرمل : معظمه ، والرمي عنها المناضلة والمحاماة . ( 3 ) أي يدافع عن محمد حمية ومحافظة على النسب . ( 4 ) أي خالون منه . وفي نهج البلاغة « ومن أسلم من قريش خلو مما نحن فيه ، بحلف يمنعه ، أو عشيرة تقوم دونه » والحلف بالكسر : العهد . ( 5 ) النجو مصدر نجا ، كالنجاة والنجاء ، والنجوة بالتاء : المكان المرتفع الذي تظن أنه نجاؤك ، وهذه الكلمة زائدة في رواية ابن أبي الحديد ، وهي هنا مستعملة بمعنى المصدر ، أو هي محرفة عن نجو . ( 6 ) أي اشتد القتال حتى احمرت الأرض من الدم ، وهو مجاز كقولهم الموت الأحمر ، وأحجم الناس : أي كفوا عن الحرب وجبنوا عن الإقدام ، يقال : حجمت فلانا عن كذا وأحجمه بالضم فأحجم هو ، وهذه اللفظة من النوادر كقولهم كببته فأكب ، ونزال : اسم فعل بمعنى انزل بمعنى المنازلة ، ولذا أنت قال الشاعر : ولنعم حشو الدرع أنت إذا * دهيت نزال ولج في الذعر وقال آخر : وقد علمت سلامة أن سيفي * كريه كلما دعيت نزال واستقدموا : تقدموا ، ونهج البلاغة « قدم أهل بيته » . ( 7 ) هو عبيدة بن الحارث بن المطلب بن عبد مناف ، بارز يوم بدر عتبة بن ربيعة ، فاختلفا بينهما ضربتين ، كلاهما جرح صاحبه ، فحمل على وحمزة على عتبة فأجهزا عليه ، واحتملا عبيدة جريحا ، ثم مات من جراحته ، وحمزة بن عبد المطلب عم الرسول قتل يوم أحد غافله وحشى - وهو مولى حبشي لجبير بن مطعم - وضربه فقتله ، ومؤتة : قرية في حدود الشأم ، وكان عليه الصلاة والسلام جهز جيشا للقصاص ممن قتلوا الحارث بن عمير الأزدي رسوله إلى أمير بصرى ، وأمر عليهم مولاه وحبه زيد بن حارثة بن شراحيل الكلبي - وكان ذلك سنة ثمان للهجرة - وقال لهم : إن أصيب فالأمير جعفر بن أبي طالب ، فإن أصيب فعبد اللّه بن رواحة ، وقد قاتل ثلاثتهم حتى استشهدوا في تلك الغزوة . ( 8 ) يعنى نفسه .