أحمد زكي صفوت

38

جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة

بسم اللّه الرحمن الرحيم ، من محمد عبد اللّه ورسوله إلى هرقل عظيم الروم ، سلام على من اتّبع الهدى ، أمّا بعد : فإني أدعوك بدعاية « 1 » الإسلام ، أسلم تسلم ، أسلم يؤتك اللّه أجرك مرتين « 2 » ، فإن تولّيت فإنّما عليك إثم الأريسيّين « 3 » ، و « يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ ، أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ ، وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً ،

--> ( 1 ) أي بالكلمة الداعية إلى الإسلام ، وهي كلمة التوحيد : أي أدعوك إليها ، فالباء بمعنى إلى . ( 2 ) أي لإيمان أتباعك بسبب إيمانك ، أو لإيمانك بعيسى ، ثم بمحمد عليهما الصلاة والسلام . ( 3 ) وردت هذه الكلمة في متن البخاري : « اليريسين » . وجاء في إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني . ج 1 : ص 93 . « اليريسين » جمع يريس على وزن كريم ، وفي رواية : « الأريسين » بقلب الياء الأولى همزة ، وفي أخرى : « اليريسيين » . بتشديد الياء بعد السين جمع يريسى ، وفي أخرى : « الأريسيين » . بتشديد الياء بعد السين أيضا : وقلب الياء الأولى همزة جمع أريسى ، وجاءت في صحيح مسلم مرة بالرواية الثالثة : « اليريسيين » . وأخرى بالرواية الرابعة : « الأريسيين » . وفي لسان العرب : « الإريسيين » جمع إريس كسكيت ، ومن ذلك يتبين لك أن في مفردها لغات : أريس ويريس ككريم . وأريسى ويريسى كحقيقى ، وإريس كسيكيت . وهو الأكار : أي الفلاح . قال الأزهري : أحسب الأريس والإريس بمعنى الأكار من كلام أهل الشام ، وقد جاء في رواية الطبري : « فإن إثم الأكارين عليك » . وكذا في تاريخ ابن الأثير ، وقال صاحب السيرة الحلبية : « وجاء في رواية : إثم الفلاحين » . وكذا في شرح الزرقاني على المواهب » وفي فتح المبدى بشرح مختصر الزبيدي . ج 1 : ص 36 . وفي الكلام حذف دل عليه المعنى : أي فإن عليك مع إثمك إثم الأريسيين ، وإنما خص هؤلاء : لأنهم أغلب رعاياه ، وأسرعهم انقيادا ، لجهلهم وسذاجتهم . وقيل المراد بالفلاحين أهل مملكته ، لأن كل من كان يزرع فهو عند العرب فلاح ، سواء كان يلي ذلك بنفسه أم بغيره ، والعجم عند العرب كلهم فلاحون لأنهم أهل زرع وحرث . فالمعنى : فإن عليك إثم رعاياك الذين يتبعونك وينقادون لأمرك . وقيل : كان أهل السواد ومن هو على دين كسرى أهل فلاحة وإثارة للأرض ، وكان أهل الروم أهل أثاث وصنعة ، فكانوا يقولون للمجوسي أريسى نسبوهم إلى الأريس ، وهو الأكار وكانت العرب تسميهم الفلاحين ، فأعلم النبي صلى اللّه عليه وسلم الروم أنهم وإن كانوا أهل كتاب ، فإن عليهم من الإثم إن لم يؤمنوا بنبوته مثل إثم المجوس وفلاحى السواد الذين لا كتاب لهم . وقيل : أراد أن عليه إثم الضعفاء والأتباع إذا لم يسلموا تقليدا له ، لأن الأصاغر أتباع الأكابر . وقيل : الإريس كسكيت : الأمير والأصل فيه رئيس كسكيت أيضا من الرياسة فقلب : أي فعليك إثم كبرائهم ، وقد جاء في رواية الأغانى : « فإن إثم الأكابر عليك » . والمعنى : أنك إن توليت عن إجابة الدعوة لم يجب إليها كبراء دولتك تبعا لك ، ولو أنهم أسلموا لهدوا قومهم إلى الإسلام ، لما لهم فيهم من الأمر المطاع والكلمة النافذة وقوة التأثير ، فامتناعك عن الإسلام يحملهم إثما مضاعفا : إثم الامتناع عنه ، وإثم القعود عن نصرته ونشره والسعي في التنفير منه والصد عنه .