أحمد زكي صفوت
379
جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة
فاقعس « 1 » عن هذا الأمر ، وخذ أهبة الحساب ، وشمّر لما قد نزل بك ، ولا تمكّن الغواة من سمعك ، وإلّا تفعل أعلمك ما أغفلت من نفسك ، فإنك مترف « 2 » قد أخذ الشيطان منك مأخذه ، وبلغ فيك أمله ، وجرى منك مجرى الرّوح والدم « 3 » . ومتى كنتم يا معاوية ساسة الرّعيّة ، وولاة أمر الأمّة « 4 » ، بغير قدم سابق ، ولا شرف باسق « 5 » ؟ ونعوذ باللّه من لزوم سوابق الشفاء ، وأحذّرك أن تكون متماديا في غرّة الأمنيّة ، مختلف العلانية والسريرة . وقد دعوت إلى الحرب ، فدع الناس جانبا واخرج إلىّ ، وأعف الفريقين من القتال ، لتعلم أينا المرين على قلبه ، والمغطّى على بصره ؟ فأنا أبو حسن قاتل جدّك وخالك وأخيك شدخا يوم بدر ، وذلك السيف معي ، وبذلك القلب ألقى عدوى ، ما استبدلت دينا ، ولا استحدثت نبيّا ، وإني لعلى المنهاج الذي تركتموه طائعين ، ودخلتم فيه مكرهين . وزعمت أنك جئت ثائرا « 6 » بعثمان ، ولقد علمت حيث وقع دم عثمان ، فاطلبه من هناك إن كنت طالبا ، فكأني قد رأيتك تضجّ من الحرب إذا عضتك ، ضجيج الجمال بالأثقال ، وكأني بجماعتك تدعوني - جزعا من الضرب المتتابع ، والقضاء الواقع ، ومصارع بعد مصارع - إلى كتاب اللّه ، وهي كافرة جاحدة ، أو مبايعة حائدة » . ( نهج البلاغة 2 : 7 ) صورة أخرى وقال ابن أبي الحديد في شرح النهج : إن هذه الخطبة - يريد الرسالة - قد ذكرها نصر بن مزاحم في كتاب صفين على
--> ( 1 ) أي تأخر . ( 2 ) أي قد أترفتك النعمة وأطغتك . ( 3 ) أخذها من قوله عليه الصلاة والسلام : « إن الشيطان ليجرى من ابن آدم مجرى الدم » . ( 4 ) يعنى الأمة الإسلامية ، وإلا فقد كان بنو عبد شمس في الجاهلية ذوى رياسة وسيادة - لا على بني هاشم - وكان عتبة بن ربيعة رئيس الجيش المحارب لرسول اللّه يوم بدر ، وأبو سفيان قائدهم يوم أحد والخندق . ( 5 ) باسق : عال ، والغرة : الغفلة . ( 6 ) ثأر به : طلب دمه .