أحمد زكي صفوت
380
جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة
وجه يقتضى أن ما ذكره الرضى رحمه اللّه منها قد ضم إليه بعض خطبة أخرى ، وهذه عادته ، لأن غرضه التقاط الفصيح والبليغ من كلامه . والذي ذكره نصر بن مزاحم هذه صورته : « من عبد اللّه علىّ أمير المؤمنين إلى معاوية بن أبي سفيان : سلام على من اتّبع الهدى ، فإني أحمد إليك اللّه الذي لا إله إلا هو ، أما بعد : فإنك قد رأيت مرور الدنيا وانقضاءها وتصرّمها « 1 » ، وتصرّفها بأهلها ، وخير ما اكتسب من الدنيا ما أصابه العباد الصالحون منها من التقوى ، ومن بقس الدنيا بالآخرة يجد بينهما بعيدا . واعلم يا معاوية أنك قد ادّعيت أمرا لست من أهله ، لا في القديم « 2 » ، ولا في الحديث ، ولست تقول فيه بأمر بيّن يعرف له أثر ، ولا عليك منه شاهد ، ولست متعلّقا بآية من كتاب اللّه ، ولا عهد من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . فكيف أنت صانع إذا تقشّعت عنك غيابة « 3 » ما أنت فيه من دنيا قد فتنت بزينتها ، وركنت إلى لذّاتها ، وخلّى بينك وبين عدوك « 4 » فيها ، وهو غدوّ كلب مضلّ جاهد ملحّ مليح ، مع ما قد ثبت في نفسك من جهتها . دعتك فأجبتها ، وقادتك فاتبعتها ، وأمرتك فأطعتها ، فاقعس عن هذا الأمر ، وخذ أهبة الحساب ، فإنه يوشك أن يقفك واقف على ما لا ينجيك منه مجنّ . ومتى كنتم يا معاوية ساسة الرعية ، أو ولاة لأمر هذه الأمة ، بلا قدم حسن ، ولا شرف تليد « 5 » على قومكم ؟ ، فاستيقظ من سنتك ، وارجع إلى خالقك ، وشمّر لما سينزل بك ، ولا تمكّن عدوك الشيطان من بغيته فيك ، مع أنى أعرف أن اللّه ورسوله صادقان ، نعوذ باللّه من لزوم سابق الشقاء .
--> ( 1 ) أي انقضاءها أيضا ( 2 ) يعنى في أول الإسلام ، لأن معاوية من الطلقاء كما تقدم ، وليس له سابقة في الإسلام . ( 3 ) غيابة كل شئ : ما سترك منه ( 4 ) أي الشيطان ، وكلب كفرح اشتد ، وألاحه : أهلكه ( 5 ) أي قديم