أحمد زكي صفوت

375

جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة

وأسرت أخاك عمرا فجعلت عنقه بين ساقيه رباطا ، وطلبتك ففررت ، ولك حصاص « 1 » ، فلو لا أنى لا أتبع فارّا لجعلتك ثالثهما ، وأنا أولى « 2 » لك باللّه أليّة برّة غير فاجرة : لئن جمعتنى وإياك جوامع الأقدار ، لأتركنّك مثلا يتمثّل به الناس أبدا ، ولأجعجعنّ « 3 » بك في مناخك ، حتى يحكم اللّه بيني وبينك وهو خير الحاكمين ، ولئن أنسأ اللّه « 4 » في أجلى قليلا ، لأغزينّك سرايا المسلمين ، ولأنهدنّ إليك في جحفل من المهاجرين والأنصار ، ثم لا أقبل لك معذرة ولا شفاعة ، ولا أجيبك إلى طلب وسؤال ، ولترجعنّ إلى تحيّرك ، وتردّدك وتلدّدك « 5 » ، فقد شاهدت وأبصرت ، ورأيت سحب الموت كيف هطلت عليك بصيّبها ، حتى اعتصمت بكتاب « 6 » أنت وأبوك أوّل من كفر وكذّب بنزوله . ولقد كنت تفرّستها « 7 » وآذنتك أنك فاعلها ، وقد مضى منها ما مضى ، وانقضى من كيدك فيها ما انقضى ، وأنا سائر نحوك على أثر هذا الكتاب ، فاختر لنفسك وانظر لها وتداركها ، فإنك إن فطرت « 8 » ، واستمررت على غيّك وغلوائك حتى ينهد إليك عباد اللّه ، أرتجت عليك الأمور ، ومنعت أمرا هو اليوم منك مقبول .

--> ( 1 ) الحصاص : أن يصر الحمار بأذنيه ويمصع بذنبه ( أي يحركه ويضرب به ) ويعدو ، والحصاص أيضا الضراط . قال ابن أبي الحديد . سألت النقيب أبازيد عن معاوية هل شهد بدرا مع المشركين ؟ فقال : نعم ، شهدها ثلاثة من أولاد أبي سفيان : حنظلة وعمرو ومعاوية ، قتل أحدهم ، وأسر الآخر ، وأفلت معاوية هاربا على رجليه فقدم مكة وقد انتفخ قدماه وورمت ساقاه فعالج نفسه شهرين حتى برأ . ( 2 ) آلى : أقسم ، والألية : اليمين . ( 3 ) جعجع الإبل ، وجعجع بها : حركها للاناخة . أو النهوض . ( 4 ) أنأ : أخر ومد ، وسرايا جمع سرية بالفتح وتشديد الياء : وهي القطعة من الجيش ، وقوله : لأغزينك سرايا المسلمين : أي لأجعلنها تغزوك ، ونهد كمنع : نهض ، والجحفل ، الجيش العظيم . ( 5 ) تلدد : تلقت يمينا وشمالا وتخير متبلدا وتلبث ، وسحاب صيب : ذو صوب أي مطر . ( 6 ) أي حتى آمنت وصدقت بالقرآن فاعتصمت به من القتل . ( 7 ) ها في تفرستها يعود على مفهوم من السياق ، أي تفرست فعلتك التي فعلت ، وهي مغالبتك لي على الخلافة ، وتفرستها أي عرفتها بفراستى ، وآذنتك : أي أعلمتك . ( 8 ) فطره كضرب ونصر : شقه ، أي إن شققت وحدة المسلمين وفرقت كلمتهم ، والغلواء : الغلو ، وأرتج الباب : أغلقه إغلاقا وثيقا .