أحمد زكي صفوت

342

جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة

فأبلعنى ريقى ، ودعا أهل ثقته فاستشارهم ، فقال له أخوه عتبة : استعن على هذا الأمر بعمرو بن العاص ، فإنه من قد عرفت ، فكتب معاوية إلى عمرو ، وهو بفلسطين « 1 » :

--> ( 1 ) فتح عمرو بن العاص مصر في خلافة عمر بن الخطاب ، وولاه عمر عليها ، وبقي كذلك واليا عليها أول خلافة عثمان ، ثم إن عثمان عزله عن الخراج واستعمله على الصلاة ، واستعمل على الخراج عبد اللّه ابن سعد بن أبي سرح - وهو أخو عثمان من الرضاع - ثم جمعهما لعبد اللّه بن سعد وعزل عمرا ، فلما قدم عمرو المدينة جعل يطعن على عثمان ، فأرسل إليه يوما عثمان خاليا به ، فقال : يا بن النابغة ، ما أسرع ما قمل جريان جبتك ( جريان القميص بضم الجيم والراء وكسرهما وتشديد الباء : جيبه ) إنما عهدك بالعمل عاما أول ، أتطعن على وتأتيني بوجه وتذهب عنى بآخر ؟ واللّه لولا أكلة ما فعلت ذلك ، فقال عمرو : إن كثيرا مما يقول الناس وينقلون إلى ولاتهم باطل ، فاتق اللّه يا أمير المؤمنين في رعيتك ، فقال عثمان : واللّه لقد استعملتك على ظلعك وكثرة القالة فيك ( الظلع في الأصل غمز البعير في مشيه ، والمراد : على ما فيك من عيب وميل ) فقال عمرو : قد كنت عاملا لعمر بن الخطاب ففارقني وهو عنى راض ، فقال عثمان : وأنا واللّه لو آخذتك بما آخذك به عمر لا ستقمت ، ولكني لنت لك فاجترأت على . . - فخرج عمرو من عند عثمان وهو محتقد عليه ، يأتي عليا مرة فيؤلبه على عثمان ، ويأتي الزبير مرة فيؤلبه على عثمان ، ويأتي طلحة مرة فيؤلبه على عثمان ، ويعترض الحاج فيخبرهم بما أحدث عثمان . ولما قضد الثوار إلى المدينة أخرج لهم عثمان عليا فكلمهم فرجعوا عنه ، وخطب عثمان الناس فقال « إن هؤلاء القوم من أهل مصر كان بلغهم عن إمامهم أمر ، فلما تيقنوا أنه باطل ما بلغهم عنه رجعوا إلى بلادهم » فناداه عمرو بن العاص من ناحية المسجد : اتق اللّه يا عثمان فإنك قد ركبت نهابير ( جمع نهبورة بالضم : أي مهلكة ) وركبناها معك ، فتب إلى اللّه نتب ، فناداه عثمان . وإنك هناك يا بن النابغة ! قملت واللّه جبتك منذ تركتك من العمل . فلما كان حصر عثمان الأول خرج عمرو من المدينة حتى انتهى إلى أرض له بفلسطين يقال لها السبع فنزل بها ، وكان يقول : أنا أبو عبد اللّه إذا حككت قرحة نكأتها ، ( نكأ القرحة كمنع : قشرها قبل أن تبرأ فنديت ) واللّه إن كنت لألقى الراعي فأحرضه عليه . فلما بلغه مقتل عثمان ، قال : أنا أبو عبد اللّه قتلته وأنا بوادي السباع ، من يلي هذا الأمر بعده ؟ إن يله طلحة فهو فتى العرب سيبا ( أي عطاء ) وإن يله ابن أبي طالب فلا أراه إلا سيستنظف الحق ( استنظف الشئ : أخذه كله ، واستنظف الوالي ما عليه من الخراج : استوفاه ) وهو أكره من يليه إلى ، فبلغه أن عليا قد بويع له ، فاشتد عليه وتربص لينظر ما يصنع الناس ؟ ثم نمى إليه أن معاوية بالشأم يأبى أن يبايع عليا ، وأنه يعظم قتل عثمان ويحرض على الطلب بدمه ، فاستشار ابنيه عبد اللّه ومحمد في الأمر وقال : ما تريان ؟ أما على فلا خير عنده ، وهو رجل يدل بسابقته ، وهو غير مشركي في شئ من أمره . فقال له عبد اللّه : أرى أن تكف يدك وتجلس في بيتك حتى يجتمع الناس على إمام فتبايعه ، وقال له محمد : أنت ناب من أنياب العرب ، فلا أرى أن يجتمع هذا الأمر وليس لك أي صوت ولا ذكر ، فرجح لديه أن يلحق بمعاوية ، وكتب إليه يهزه ويشير عليه بالمطالبة بدم عثمان ، وكان فيما كتب به إليه : « ما كنت صانعا إذا قشرت من كل شى تملكه ؟ فاصنع ما أنت صانع » فبعث إليه معاوية ، فسار إليه .