أحمد زكي صفوت

98

جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة

دراسة العلم ، وطول التجارب زيادة في العقل ، والقناعة راحة الأبدان ، والشرف التقوى ، والبلاغة معرفة رتق الكلام وفتقه ، بالعقل تستخرج الحكمة ، وبالحلم يستخرج غور العقل ، ومن شمّر في الأمور ، ركب البحور ، شر القول ما نقض بعضه بعضا ، ومن سعى بالنميمة حذره البعيد ، ومقته القريب . من أطال النظر بإرادة تامة أدرك الغاية ، ومن توانى في نفسه ضاع . من أسرف في الأمور انتشرت عليه ، ومن اقتصد اجتمعت له ، واللّجاجة تورث الضّياع للأمور ، غبّ الأدب أحمد من ابتدائه ، مبادرة الفهم تورث النسيان ، سوء الاستماع يعقب العىّ ، لا تحدّث من لا يقبل بوجهه عليك ، ولا تنصت لمن لا ينمى « 1 » بحديثه إليك . البلادة للرجل هجنة ، قلّ مالك إلا استأثر ، وقلّ عاجز إلا تأخر ، الإحجام عن الأمور يورث العجز ، والإقدام عليها يورث اجتلاب الحظ ، سوء الطّعمة « 2 » يفسد العرض ، ويخلق الوجه ، ويمحق الدين ، الهيبة قرين الحرمان ، والجسارة قرين الظّفر ، وفيّك من أنصفك ، وأخوك من عاتبك ، وشريكك من وفي لك ، وصفيّك من آثرك ، أعدى الأعداء العقوق ، اتباع الشهوة يورث النّدامة ، وفوت الفرصة يورث الحسرة ، جميع أركان الأدب التأنّي للرّفق ، أكرم نفسك عن كل دنيّة ، وإن ساقتك إلى الرغائب ، فإنك لا تجد بما تبذل من دينك ونفسك عوضا ، لا تساعد « 3 » النساء فيمللنك ، واستبق من نفسك بقيّة ، فإنهن أن يرين أنك ذو اقتدار ، خير من أن يطّلعن منك على انكسار ، لا تملّك المرأة الشفاعة لغيرها ، فتميل من شفعت لها عليك معها ، أي بنى ، إني قد اخترت لك الوصية ، ومحضتك النصيحة ، وأدّيت الحق إلى اللّه في تأديبك ، فلا تغفلنّ الأخذ بأحسنها ، والعمل بها ، واللّه موفقك » . ( البيان والتبيين 3 : 232 )

--> ( 1 ) نمى الحديث ونمّاه بالتشديد : رفعه . ( 2 ) الطمة : وجه المكسب . ( 3 ) لعلها « لا تقاعد » .