أحمد زكي صفوت

96

جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة

ولم يزل عبد الملك محبوسا حتى توفى الرشيد ، فأطلقه محمد الأمين وعقد له على الشام « 1 » . ( تاريخ الطبري 10 : 89 ، والعقد الفريد 1 : 143 ، والكامل لابن الأثير 6 : 72 ، وزهر الآداب 2 : 283 ) 85 - قوله بعد خروجه من السجن ولما خرج من السجن وذكر الرشيد وفعله به قال : « واللّه إن الملك لشيء ما نويته ، ولا تمنّيته ، ولا نصبت له ولا أردته ، ولو أردته لكان إلىّ أسرع من الماء إلى الحدور « 2 » ، ومن النار إلى يبس العرفج « 3 » ، وإني لمأخوذ بما لم أجن ، ومسؤول عما لا أعرف ، ولكنه حين رآني للملك قمينا « 4 » ، وللخلافة خطيرا « 5 » ، ورأى لي يدا تنالها إذا مدّت ، وتبلغها إذا بسطت ، ونفسا تكمل لخصالها ، وتستحقها بفعالها ، وإن كنت لم أختر تلك الخصال ، ولم أصطنع تلك الفعال ، ولم أترشّح لها في السّر ، ولا أشرت إليها في الجهر ، ورآها تحنّ إلىّ حنين الوالدة الوالهة ، وتميل إلىّ ميل الهلوك « 6 » ، وخاف أن ترغب إلى خير مرغب ، وتنزع إلى أخصب منزع ، عاقبنى عقاب من سهر في طلبها ، وجهد في التماسها ، فإن كان إنما حبسني على أنى أصلح لها وتصلح لي ، وأليق بها وتليق بي ، فليس ذلك بذنب جنيته فأتوب منه ، ولا تطاولت له فأحطّ نفسي عنه ، وإن زعم أنه لا صرف لعقابه ، ولا نجاة من عذابه ، إلا بأن أخرج له من جدّ العلم والحلم والحزم ، فكما لا يستطيع المضياع أن يكون مصلحا ، كذلك لا يستطيع العاقل أن يكون جاهلا ،

--> ( 1 ) وقد جعل للأمين عهد اللّه وميثاقه : لئن قتل وهو حي لا يعطى المأمون طاعة أبدا ، فمات قبل قتل الأمين ، فدفن في دار من دور الإمارة ، فلما خرج المأمون يريد الروم أرسل إلى ابن له حول أباك من دارى ، فنهشت عظامه وحولت . ( 2 ) المكان المنحدر . ( 3 ) شجر . ( 4 ) جديرا . ( 5 ) عظيم القدر . ( 6 ) الفاجرة المتساقطة على الرجال .