أحمد زكي صفوت

74

جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة

وتدرّع جلباب الفتنة ، وربض في شقّ العصا ، ولكنه يقتل أعلامهم ، ويأسر قوادهم ويطلب هرّابهم ، في لجج البحار ، وقلل الجبال ، وحميل « 1 » الأودية ، وبطون الأرض . تقتيلا وتغليلا وتنكيلا ، حتى يدع الدنيا خرابا ، والنساء أيامى ، وهذا أمر لا نعرف له في كتبنا وقتا ، ولا نصحّح منه غير ما قلنا تفسيرا ؛ وأما موسى ولى عهدي ، فهذا أوان توجّهه إلى خراسان ، وحلوله بجرجان ، وما قضى اللّه له من الشخوص إليها . والمقام فيها ، خير للمسلمين مغبّة ، وله بإذن اللّه عاقبة من المقام بحيث يغمر في لجج بحورنا ، ومدافع سيولنا ، ومجامع أمواجنا ، فيتصاغر عظيم فضله ، ويتذاءب « 2 » مشرق نوره ، ويتقلّل كثير ما هو كائن منه ، فمن يصحبه من الوزراء ، ويختار له من الناس ؟ » . 66 - مقال محمد بن الليث قال محمد بن الليث : « أيها المهدى : إن ولىّ عهدك أصبح لأمّتك ، وأهل ملتك ، علما قد تثنّت نحوه أعناقها ، ومدّت سمته أبصارها . وقد كان لقرب داره منك ، ومحلّ جواره لك ، عطل « 3 » الحال ، غفل الأمر ، واسع العذر . فأما إذا انفرد بنفسه . وخلا بنظره . وصار إلى تدبيره . فإن من شأن العامة أن تتفقّد مخارج رأيه . وتستنصت لمواقع آثاره وتسأل عن حوادث أحواله ، في برّه ومرحمته . وإقساطه « 4 » ومعدلته ، وتدبيره وسياسته ، ووزرائه وأصحابه . ثم يكون ما سبق إليهم أغلب الأشياء عليهم ، وأملك الأمور بهم ، وألزمها لقلوبهم ، وأشدها استمالة لرأيهم ، وعطفا لأهوائهم . فلا يفتأ المهدى - وفقه اللّه - ناظرا له فيما يقوّى عمد مملكته ، ويسدّد أركان ولايته ،

--> ( 1 ) الحميل : بطن المسيل . ( 2 ) يضطرب . ( 3 ) عطل ( كفرح ) من المال والأدب : خلا فهو عطل كقفل وعنق . ( 4 ) عدله .