أحمد زكي صفوت
56
جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة
مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ ؛ وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً ، وَلا يُقْبَلُ مِنْها عَدْلٌ وَلا تَنْفَعُها شَفاعَةٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ ؛ وَاخْشَوْا يَوْماً لا يَجْزِي والِدٌ عَنْ وَلَدِهِ ، وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جازٍ عَنْ والِدِهِ شَيْئاً ، إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ، فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا ، وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ » ، فإن الدنيا دار غرور ، وبلاء وشرور ، واضمحلال وزوال ، وتقلّب وانتقال ، قد أفنت من كان قبلكم ، وهي عائدة عليكم وعلى من بعدكم ، من ركن إليها صرعته ، ومن وثق بها خانته ، ومن أملها « 1 » كذبته ، ومن رجاها خذلته ، عزّها ذل ، وغناها فقر ، والسعيد من تركها ، والشقي فيها من آثرها ، والمغبون فيها من باع حظّه من دار آخرته بها ، فاللّه اللّه عباد اللّه ، والتوبة مقبولة ، والرحمة مبسوطة ، وبادروا بالأعمال الزكية « 2 » ، في هذه الأيام الخالية ، قبل أن يؤخذ بالكظم « 3 » ، وتندموا فلا تنالون الندم ، في يوم حسرة وتأسّف ، وكآبة وتلهّف ، يوم ليس كالأيام ، وموقف ضنك المقام . إنّ أحسن الحديث وأبلغ الموعظة كتاب اللّه ، يقول اللّه تبارك وتعالى : « وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ » . أعوذ باللّه من الشيطان الرجيم ، بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ، أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقابِرَ - إلى آخر السورة - أوصيكم عباد اللّه بما أوصاكم اللّه به ، وأنهاكم عما نهاكم عنه ، وأرضى لكم طاعة اللّه ، وأستغفر اللّه لي ولكم » . ( العقد الفريد 2 : 146 )
--> ( 1 ) أمله أملا وأمله بالتخفيف والتشديد . ( 2 ) زكا يزكو : نما وصلح . ( 3 ) الكظم : الحلق أو الفم ، أو مخرج النفس ، أي قبل الموت .