أحمد زكي صفوت
57
جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة
مشاورة المهدى لأهل بيته في حرب خراسان روى ابن عبد ربه قال : « هذا ما تراجع فيه المهدى ووزراؤه ، وما دار بينهم من تدبير الرأي في حرب خراسان ، أيام تحاملت عليهم العمال وأعنفت ، فحملتهم الدالّة وما تقدّم لهم من المكانة ، على أن نكثوا بيعتهم ، ونقضوا موثقهم ، وطردوا العمال ، والتووا بما عليهم من الخراج ، وحمل المهدىّ ما يحب من مصلحتهم ، ويكره من عنتهم ، على أن أقال عثرتهم ، واغتفر زلتهم ، واحتمل دالّتهم ، تطوّلا بالفضل ، واتساعا بالعفو ، وأخذا بالحجة ، ورفقا بالسياسة ، ولذلك لم يزل مذ حمّله اللّه أعباء الخلافة ، وقلّده أمور الرعية ، رفيقا بمدار سلطانه ، بصيرا بأهل زمانه ، باسطا للمعدلة في رعيته ، تسكن إلى كنفه ، وتأنس بعفوه ، وتثق بحلمه . فإذا وقعت الأقضية اللازمة ، والحقوق الواجبة . فليس عنده هوادة ، ولا إغضاء ، ولا مداهنة ، أثرة للحق ، وقياما بالعدل ، وأخذا بالحزم ؛ فدعا أهل خراسان الاغترار بحلمه ، والثقة بعفوه ، أن كسروا الخراج ، وطردوا العمال وسألوا ما ليس لهم من الحق ، ثم خلطوا احتجاجا باعتذار ، وخصومة بإقرار ، وتنصّلا باعتلال ؛ فلما انتهى ذلك إلى المهدى ، خرج إلى مجلس خلائه ، وبعث إلى نفر من لحمته « 1 » ووزرائه ، فأعلمهم الحال ، واستنصحهم للرعية ، ثم أمر الموالى « 2 » بالابتداء ، وقال للعباس « 3 » بن محمد : أي عمّ تعقّب قولنا ، وكن حكما بيننا ، وأرسل إلى ولديه
--> ( 1 ) اللحمة : القرابة . ( 2 ) جمع مولى ، وهو هنا القريب كابن العم ونحوه . ( 3 ) هو العباس بن محمد بن علي بن عبد اللّه بن عباس أخو المنصور .