أحمد زكي صفوت

41

جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة

وإن يوسف قدر فغفر ، فاقتد بأيّهم شئت ، وقد جعلك اللّه من نسل الذين يعفون ويصفحون » ، فقال أبو جعفر : إنّ أحدا لا يعلّمنا الحلم ، ولا يعرّفنا العلم ، وإنما قلت هممت ، ولم ترني فعلت ، وإنك لتعلم أن قدرتى عليهم تمنعني من الإساءة إليهم » . ( زهر الآداب 1 : 96 ) * * * وروى صاحب العقد قال : لما حج المنصور مرّ بالمدينة ، فقال للربيع الحاجب : علىّ بجعفر بن محمد ، قتلني اللّه إن لم أقتله ، فمطل به ، ثم ألحّ عليه ، فحضر ، فلما كشف الستر بينه وبينه ، ومثل بين يديه ، همس جعفر بشفتيه ، ثم تقرب وسلّم ، فقال : « لا سلّم اللّه عليك يا عدوّ اللّه ، تعمل على الغوائل في ملكي ؟ قتلني اللّه إن لم أقتلك » . قال : « يا أمير المؤمنين ، إن سليمان صلى اللّه على محمد وعليه أعطى فشكر ، وإن أيوب ابتلى فصبر ، وإن يوسف ظلم فغفر ، وأنت على إرث منهم ، وأحقّ من تأسّى بهم » ، فنكس أبو جعفر رأسه مليّا وجعفر واقف ، ثم رفع رأسه ، وقال : « إلىّ أبا عبد اللّه فأنت القريب القرابة ، وذو الرحم الواشجة « 1 » ، السليم الناحية ، القليل الغائلة » ، ثم صافحه بيمينه ، وعانقه بشماله ، وأجلسه معه على فراشه ، وانحرف له عن بعضه ، وأقبل عليه بوجهه يحادثه ويسائله ، ثم قال : يا ربيع ، عجّل لأبى عبد اللّه كسوته وجائزته وإذنه . ( العقد الفريد 1 : 145 )

--> ( 1 ) القريبة : المشتبكة .