أحمد زكي صفوت

308

جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة

وقال الآخر : « تراءت المخايل « 1 » من الأقطار ، تحن حنين العشار ، وتترامى بشهب النّار ، قواعدها متلاحكة « 2 » ، وبواسقها متضاحكة ، وأرجاؤها متقاذفة ، وأعجازها مترادفة ، وأرحاؤها متراصفة ، فوصلت الغرب بالشرق ، والوبل بالودق ، سحّا درّاكا « 3 » ، متتابعا لكّاكا ، فضحضحت الجفاجف « 4 » ، وأنهرت الصّفاصف ، وحوّضت الاصالف ، ثم أقلعت محمودة الآثار ، موموقة الخيار » . فقال الثالث : واللّه ما خلته بلغ خمسا ، فقال : هلمّ الدرهم أصفه لك ، فقلت : لا ، أو تقول كما قالا ، قال : لأبذّنّهما « 5 » وصفا ، ولأوقفنّهما رصفا ، فقلت : هات للّه أبوك ، فقال : « بينما الحاضر بين الباس والإبلاس ، قد غمرهم الإشفاق ، رهبة الإملاق ، وقد جفّت الأنواء « 6 » ، ورفرف البلاء ، واستولى القنوط على القلوب ، وكثر الاستغفار من الذنوب ، ارتاح ربك لعباده ، فأنشأ سحابا مستجهرا « 7 » كنهورا معنونكا محلولكا ، ثم استقل واخزألّ ، فصار كالسماء دون السماء ،

--> ( 1 ) مخايل جمع مخيلة « بضم الميم وكسر الخاء » والمخيلة والمخيلة « بتشديد الياء المكسورة ، السحابة التي تحسبها ما طرة ، والعشار جمع عشراء كنفساء : وهي الناقة التي مضى لحملها عشرة أشهر أو ثمانية ، أو هي كالنفساء من النساء ، والشهب جمع شهاب ككتاب : وهو شعلة من نار ساطعة . ( 2 ) قواعدها : أسافلها ، وأصله من قواعد البيت : أي أساسه ، متلاحكة : أي قد اشتد التئامها ، والمتلاحكة : الناقة الشديدة الخلق ، وبواسقها : أعاليها جمع باسقة ، من بسق : أي طال وارتفع ، ومتضاحكة أي يضحك فيها برقها ، متقاذفة : أي يقذف بعضها بعضا بالمطر ، وأرحاؤها : أوساطها ، متراصفة : متراكمة قد رصف بعضها فوق بعض . ( 3 ) أي صبا متتابعة ، ولكاكا : متزاحما من اللكاك ككتاب وهو الزحام . ( 4 ) الجفاجف جمع جفجف كجعفر : وهي الأرض المرتفعة ليست بالغليظة ، وضحضحتها : جعلت فيها ضحاضح والصفاصف جمع صفصف كجعفر : وهو المستوى من الأرض ، وأنهر الماء : أساله ، والأصلف والصلفاء : ما صلب من الأرض ، والجمع أصالف ، وحوضت جعلت فيها حياضا . ( 5 ) بذة : فاته وغلبه ، والحاضر : ساكن الحضر ، والباس : العذاب والشدة ، والإبلاس : التحير واليأس : والاشفاق : الخوف ، والإملاق : الفاقة . ( 6 ) الأنواء جمع نوء : وهو في الأصل سقوط النجم في المغرب مع الفجر وطلوع آخر يقابله في ساعته من المشرق ، وكانت العرب تضيف الأمطار والرياح والحر والبرد إليها . ( 7 ) مستجهرا : لم أجد هذه الكلمة في كتب اللغة ، وربما كان الأصل : « مستنهرا » من استنهر الشئ إذا اتسع ، والمحلولك : الشديد السواد ، وقد تقدم معنى اعتنك واستعنك : واعنونك افعوعل من هذه المادة ، ولم أجده في كتب اللغة .