أحمد زكي صفوت
275
جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة
إني أراك معتنزة في هذا الوادي الموحش ، والحلّة « 1 » منك قريب ، فلو انضممت إلى جنابهم فأنست بهم ! فقالت : « يا ابن أخي ، إني لآنس بالوحشة ، وأستريح إلى الوحدة ، ويطمئن قلبي إلى هذا الوادي الموحش ، فأتذكر من عهدت ، فكأني أخاطب أعيانهم ، وأتراءى أشباحهم « 2 » وتتخيّل لي أندية رجالهم ، وملاعب ولدانهم ، ومندّى « 3 » أموالهم ، واللّه يا ابن أخي لقد رأيت هذا الوادي بشع اللّديدين « 4 » بأهل أدواح وقباب ، ونعم كالهضاب ، وخيل كالذّئاب ، وفتيان كالرماح ، يبارون الرياح ، ويحمون الصّباح « 5 » فأحال عليهم الجلاء قمّا بغرفة « 6 » فأصبحت الآثار دارسة ، والمحالّ طامسة ، وكذلك سيرة الدهر فيمن وثق به » . ثم قالت : ارم بعينك في هذا الملا المتباطن « 7 » ، فنظرت فإذا قبور نحو أربعين أو خمسين ، فقالت : ألا ترى تلك الأجداث ؟ قلت نعم ، قالت : ما انطوت إلا على أخ أو ابن أخ ، أو عمّ أو ابن عمّ ، فأصبحوا قد ألمأت « 8 » عليهم الأرض ، وأنا أترقب ما غالهم ، انصرف راشدا رحمك اللّه . ( الأمالي 2 : 7 ) 58 - حديث امرأة مات ابنها بين يديها عن عبد الرحمن عن عمه قال : دخلت على امرأة من العرب بأعلى الأرض في خباء لها ، وبين يديها بنىّ لها ، قد نزل به الموت ، فقامت إليه فأغمضته وعصّبته وسجّته « 9 » ، ثم قالت :
--> ( 1 ) الحلة : جماعة بيوت الناس والجمع حلال ككتاب . ( 2 ) أشخاصهم جمع شبح كشمس وسبب . ( 3 ) العندية : أن يورد الرجل إبله ، ثم يرعاها ، ثم يوردها ، ثم يرعاها ، والمندى : المكان الذي يندى فيه المال . ( 4 ) بشع : ملآن ، اللديدان : الجانبان ، والدوحة : الشجرة العظيمة . ( 5 ) الصباح جمع صبيحة : وهي الجميلة من الصباحة كسحابة : الجمال . ( 6 ) قم البيت قما : كنسه « والمقمة : المكنسة ، والقمامة : الكناسة » والغرفة الواحدة من الغرف : وهي ضرب من الشجر . ( 7 ) الملا : الفضاء ، والمتباطن : المتطامن . ( 8 ) أي احتوت عليهم ، وغالهم : أهلكهم . ( 9 ) تسجية الميت : تغطية .