أحمد زكي صفوت
221
جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة
واعترف بالضعف لهم الحديد ، وهزم المجادلون ، وأخرجوا من ديارهم لأوّل الحشر ، يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين ، حين نافروا السلامة . أحمده حمد من امتحنته صفوف الجموع في نفق التغابن ، فطلّق الحرمات حين اعتبر الملك وعامه ، وقد سمع صريف القلم وكأنه بالحاقّة « 1 » والمعارج يمينه وشماله وخلفه وأمامه ، وقد ناح نوح الجن فتزمّل « 2 » وتدثّر فرقا من يوم القيامة ، وأنس بمرسلات النبأ ، فنزع العبوس من تحت كور العمامة ، وظهر له بالانفطار التطفيف ، فانشقّت بروج الطارق بتسبيح الملك الأعلى وغشيته الشهامة ، فو ربّ الفجر والبلد والشمس والليل والضحى ، لقد انشرحت صدور المتقين ، حين تلوا سورة التين ، وعلق الإيمان بقلوبهم ، فكلّ على قدر مقامه يبين ، ولم يكونوا بمنفكين دهرهم ، ليله ونهاره وصيامه وقيامه ، إذا ذكروا الزّلزلة ركبوا العاديات « 3 » ليطفئوا نور القارعة ، ولم يلههم التكاثر حين تلوا سورة العصر والهمزة ، وتمثلوا بأصحاب الفيل فليعبدوا ربّ هذا البيت الّذى أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف . أرأيتهم كيف جعلوا على رؤوسهم من الكور عمامة ؟ فالكوثر « 4 » مكتوب لهم ، والكافرون خذلوا ، وهم نصروا ، وعدل بهم عن لهب الطّامّة ، وبسورة الإخلاص قرّوا وسعدوا ، وبرب الفلق « 5 » والنّاس ، استعاذوا فأعيذوا من كل حزن وهمّ وغمّ وندامة ، وأشهد أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، شهادة تنال بها منازل الكرامة صلى اللّه تعالى عليه وعلى آله وأصحابه ما غرّدت في الأيك حمامة » . ( نفح الطيب 4 : 391 )
--> ( 1 ) الحاقة : القيامة التي فيها بحق ما أنكر من البعث والجزاء . ( 2 ) تزمل بثيابه : تلفف بها ، وكذا تدثر . ( 3 ) الخيل تعدو في الغزو ، والقارعة التي تقرع القلوب بأهوالها . ( 4 ) الكوثر : نهر في الجنة . ( 5 ) الفلق : الصبح .