أحمد زكي صفوت
220
جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة
في آل عمران والنساء مائدة الأنعام ليتمّ إنعامه ، وجعل في الأعراف أنفال توبة يونس وألر كتاب أحكمت آياته ، بمجاورة يوسف الصّدّيق في دار الكرامة ، وسبّح الرعد بحمده ، وجعل النار بردا وسلاما على إبراهيم ، ليؤمن أهل الحجر « 1 » أنه إذا أتى أمر اللّه سبحانه فلا كهف ولا ملجأ إلا إليه ، ولا يظلمون قلامة ، وجعل في حروف كهيعص سرّا مكنونا ، قدّم بسببه طه صلى اللّه عليه وسلم على سائر الأنبياء ليظهر إجلاله وإعظامه ، وأوضح الأمر حتى حجّ المؤمنون بنور الفرقان ، والشعراء صاروا كالنمل ذلّا وصغارا لعظمته ، وظهرت قصص العنكبوت فآمن به الروم ، وأيقنوا أنه كلام الحىّ القيّوم ، نزل به الرّوح الأمين على زين من وافى يوم القيامة ، وأوضح لقمان الحكمة بالأمر بالسجود لربّ الأحزاب ، فسبا فاطر السماوات أهل الطاغوت ، وأكسبهم ذلا وخزيا وحسرة وندامة ، وأمدّ يس صلى اللّه عليه وسلم بتأييد الصّافّات « 2 » ، فصاد الزّمر يوم بدره ، وأوقع بهم ما أوقع صناديدهم في القليب « 3 » مكدوس ومكبوب ، حين شالت بهم النّعامة « 4 » ، وغفر غافر الذنب وقابل التّوب للبدريّين رضى اللّه عنهم ما تقدم وما تأخر حين فصّلت كلمات اللّه ، فذلّ من حقّت عليه كلمة العذاب وأيس من السلامة ، ذلك بأنّ أمرهم شورى بينهم ، وشغلهم زخرف الآخرة عن دخان الدنيا ، فجثوا أمام الأحقاف « 5 » لقتال أعداء محمد صلى اللّه عليه وسلم يمينه وشماله وخلفه وأمامه ، فأعطوا الفتح وبوّءوا حجرات الجنان ، وحين تلوا : ق والقرآن المجيد ، وتدبّروا جواب قسم الذّاريات « 6 » والطور ، لاح لهم نجم الحقيقة وانشقّ لهم قمر اليقين ، فنافروا السآمة ، ذلك بأنهم أمّنهم الرحمن إذا وقعت الواقعة ،
--> ( 1 ) واد بين المدينة والشام ، وهو منازل ثمود . ( 2 ) الملائكة تصف نفوسها العبادة . ( 3 ) القليب : البئر . ( 4 ) شالت نعامتهم : خفت منازلهم منهم ، أو تفرقت كلمتهم ، أو ذهب عزهم . ( 5 ) واد باليمن به منازل عاد . ( 6 ) الذاريات : الرياح تذر والتراب وغيره .