أحمد زكي صفوت
205
جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة
كيف الأمان وهاجم الموت لا يبقى ولا يذر ، كيف الركون إلى الطمع الفاضح وقد صحّ الخبر ؟ من فكّر في كرب الخمار « 1 » تنغّصت عنده لذة النبيذ ، من أحسّ بلفظ « 2 » الحريق فوق جداره ، لم يصغ بصوته لنغمة العود ، من تيقّن بذلّ العزلة ، هان عليه ترك الولاية . ما قام خيرك يا زمان بشرّه * أولى لنا ما قلّ منك وما كفى أوحى اللّه سبحانه إلى موسى صلوات اللّه وسلامه عليه : أن ضع يدك على متن ثور فبعدد ما حاذته من شعره نعيش سنين ، فقال : يا رب وبعد ذلك ؟ قال : تموت ، قال : يا رب فالآن . رأى الأمر يفضى إلى آخر * فصيّر آخره أوّلا إذا شعرت نفسك بالميل إلى شيء فاعرض عليها غصّة فراقه « لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ ، وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ » فالمفروح به هو المحزون عليه ، أين الأحباب مرّوا ؟ فيا ليت شعري أين استقروا ؟ استكانوا واللّه واضطرّوا ، واستغاثوا من سبقك « 3 » بأوليائهم ففرّوا ، وليتهم إذ لم ينفعوا ما ضرّوا ، فالمنازل من بعدهم خالية خاوية ، والعروش ذابلة ذاوية ، والعظام من بعد التفاصل متشابهة متساوية ، والمساكن تندب في أطلالها الذئاب العاوية . صحت بالرّبع فلم يستجيبوا * ليت شعري أين يمضى الغريب ؟ وبجنب الدار قبر جديد * منه يستسقى المكان الجديب غاض قلبي فيه عند التماحى * قلت : هذا القبر فيه الحبيب « 4 » لا تسل عن رجعتى كيف كانت * إنّ يوم البين يوم عصيب
--> ( 1 ) الخمار : صداع الخمر وأذاها . ( 2 ) أي برميه . ( 3 ) هكذا في الأصل ، وكان يمكن أن يقول : « واستغاث من سبقك بأوليائهم » إلا أن يخرج على أن « من » مبتدأ مؤخر كما في قوله تعالى : « ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ » وقوله : « وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا » أو « من » بدل من وأو الجماعة . ( 4 ) لمحه وألمحه والتمحه : إذا أبصره بنظر خفيف .