أحمد زكي صفوت
199
جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة
حوادث الأيام كلما نزلت ، ولا تضجّوا للأمراض إذا أعضلت ، فكلّ منقرض حقير ، وكل منقض وإن طال قصير ، وانتظروا الفرج ، وانتشقوا من جناب اللّه تعالى الأرج « 1 » ، وأوسعوا بالرجاء الجوانح ، واجنحوا إلى الخوف من اللّه تعالى فطوبى لعبد إليه جانح ، وتضرّعوا إلى اللّه تعالى بالدعاء ، والجئوا إليه في البأساء والضّرّاء ، وقابلوا نعم اللّه تعالى بالشكر الذي يقيّد به الشارد ، ويعذب الوارد ، وأسهموا « 2 » منها للمساكين وأفضلوا عليهم ، وعيّنوا الحظوظ منها لديهم ؛ فمن الآثار : « يا عائشة أحسني جوار نعم اللّه ، فإنها قلّما زالت عن قوم فعادت إليهم » ، ولا تطغوا في النّعم وتقصّروا عن شكرها ، وتغلبكم « 3 » الجهالة بسكرها ، وتتوهموا أن سعيكم جلبها ، وجدّكم حلبها ، فاللّه خير الرازقين ، والعاقبة للمتقين ، ولا فعل إلا للّه إذا نظر بعين اليقين ، واللّه اللّه لا تنسوا الفضل بينكم ، ولا تذهبوا بذهابه زينكم ، وليلتزم كل منكم لأخيه ، ما يشتد به تواخيه ، بما أمكنه من إخلاص وبرّ ، ومراعاة في علانية وسرّ ، وللإنسان مزية لا تجهل ، وحق لا يهمل ، وأظهروا التعاضد والتناصر ، وصلوا التّعاهد والتزاور ، ترغموا بذلك الأعداء ، وتستكثروا الأودّاء ، ولا تتنافسوا في الحظوظ السّخيفة ، ولا تتهارشوا تهارش السباع على الجيفة . واعلموا أن المعروف يكدر بالامتنان ، وطاعة النساء شرّ ما أفسد بين الإخوان ، فإذا أسديتم معروفا فلا تذكروه ، وإذا برز قبيح فاستروه ، وإذا أعظم النساء أمرا فاحقروه ، واللّه اللّه لا تنسوا مقارضة سجلى « 4 » ، وبرّوا أهل مودتي من أجلى ، ومن رزق منكم مالا بهذا الوطن القلق المهاد ، الذي لا يصلح لغير الجهاد ، فلا يستهلكه أجمع في العقار ، فيصبح عرضة للمذلّة والاحتقار ، وساعيا لنفسه - إن تغلّب العدوّ على بلده -
--> ( 1 ) الأرج : توهج ريح الطيب . ( 2 ) أسهم له : أعطاه سهما . ( 3 ) في الأصل : « وتلقيكم » ، وأراه محرفا عن « وتغلبكم » . ( 4 ) السجل : النصيب . والمعنى : أنكم مدينون لي مما قدمت لكم من معروفي ، فلا تنسوا أن تردوه لي بإكرام من أوده .