أحمد زكي صفوت
200
جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة
في الافتضاح والافتقار ، ومعوّقا عن الانتقال ، أمام النّوب الثّقال ، وإذا كان رزق العبد على المولى ، فالإجمال في الطلب أولى ، وازهدوا جهدكم في مصاحبة أهل الدنيا فخيرها لا يقوم بشرّها ، ونفعها لا يقوم بضرّها ، وأعقاب من تقدّم شاهدة ، والتواريخ لهذه الدعوى عاضدة ، ومن بلى بها منكم فليستظهر بسعة الاحتمال ، والتقلّل من المال ، وليحذر معاداة الرجال ، ومزلّات الإدلال ، وفساد الخيال ، ومداخلة العيال ، وإفشاء السر ، وسكر الاغترار ، فإنه دأب الغرّ ، وليصن الديانة ، ويؤثر الصمت ويلازم الأمانة ، ويسر من رضا اللّه على أوضح الطرق ، ومهما اشتبه عليه أمران قصد أقربهما إلى الحق ، وليقف في التماس أسباب الجلال دون الكمال غير النقصان ، والزعازع تسالم اللّدن « 1 » اللطيف من الأغصان ، وإياكم وطلب الولايات رغبة واستجلابا ، واستظهارا على الخطوب وغلابا ، فذلك ضرر بالمروءات والأقدار ، داع إلى الفضيحة والعار ، ومن امتحن بها منكم اختيارا ، أو جبر عليه إكراها وإيثارا ، فليتلقّ وظائفها بسعة صدره ، ويبذل من الخير فيها ما يشهد أن قدرها دون قدره ، فالولايات فتنة ومحنة ، وأسر وإحنة ، وهي بين إخطاء سعادة . وإخلال بعبادة وتوقّع عزل ، وإدالة « 2 » بإزاء بيع جدّ بهزل ، ومزلّة قدم ، واستتباع ندم . ومآل العمر كله موت ومعاد ، واقتراب من اللّه وابتعاد . جعلكم اللّه ممن نفعه بالتبصير والتنبيه وممن لا ينقطع بسببه عمل أبيه . هذه - أسعدكم اللّه - وصيتي التي أصدرتها . وتجارتي التي لربحكم أدرتها . فتلقّوها بالقبول لنصحها . والاهتداء بضوء صبحها . وبقدر ما أمضيتم من فروعها . واستغشيتم من دروعها . اقتنيتم من المناقب الفاخرة . وحصلتم على سعادة الدنيا والآخرة . وبقدر ما أضعتم لآلئها النفيسة القيم . استكثرتم من بواعث الندم . ومهما سئمتم إطالتها . واستغزرتم مقالتها ، فاعلموا أن تقوى اللّه فذلكة « 3 » الحساب ، وضابط هذا الباب . كان اللّه خليفتي عليكم في كل حال . فالدنيا
--> ( 1 ) اللدن : اللين . ( 2 ) الإدالة : الغلبة . ( 3 ) فذلك حسابه كدحرج : أنهاه وفرغ منه ، مخترعة من قوله إذا أجمل حسابه : فذلك كذا وكذا .