أحمد زكي صفوت

196

جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة

وملتمس الرشد وموليه ، عادت عليه بالسّخطة الشنيعة ، وهو إمام الشريعة ، فلا سبيل إلى اقتحامها ، والتورّط في ازدحامها ، ولا تخلطوا جامكم « 1 » بجامها ، إلا ما كان من حساب ومساحة ، وما يعود بجدوى فلاحة ، وعلاج يرجع على النفس والجسم براحة ، وما سوى ذلك فمحجور ، وضرم « 2 » مسجور ، وممقوت مهجور ، وأمروا بالمعروف أمرا رفيقا ، وانهوا عن المنكر نهيا حريّا بالاعتدال حقيقا ، واغبطوا من كان من سنة الغفلة مفيقا ، واجتنبوا ما تنهون عنه حتى لا تسلكوا منه طريقا ، وأطيعوا أمر من ولّاه اللّه تعالى من أموركم أمرا ، ولا تقربوا من الفتنة جمرا ، ولا تداخلوا في الخلاف زيدا ولا عمرا ، وعليكم بالصدق فهو شعار المؤمنين ، وأهمّ ما أضرى « 3 » عليه الآباء ألسنة البنين ، وأكرم منسوب إلى مذهبه ، ومن أكثر من شيء عرف به ، وإياكم والكذب فهو العورة التي لا توارى ، والسّوءة التي لا يرتاب في عارها ولا يتمارى . وأقل عقوبات الكذاب ، بين يدي ما أعدّ اللّه له من العذاب ، أن لا يقبل صدقه إذا صدق ، ولا يعوّل عليه إن كان بالحق نطق ، وعليكم بالأمانة فالخيانة لوم ، وفي وجه الديانة كلوم « 4 » ، ومن الشريعة التي لا يعذر بجهلها ، أداء الأمانات إلى أهلها ، وحافظوا على الحشمة والصّيانة ، ولا تجزوا من أقرضكم دين الخيانة ، ولا توجدوا للغدر قبولا ولا تقرّوا عليه طبعا مجبولا ، وأوفوا بالعهد إنّ العهد كان مسؤولا ، ولا تستأثروا بكنز ولا خزن ، ولا تذهبوا لغير مناصحة المسلمين في سهل ولا حزن ، ولا تبخسوا النّاس أشياءهم في كيل أو وزن ، واللّه اللّه أن تعينوا في سفك الدماء ولو بالإشارة أو الكلام ، أو ما يرجع إلى وظيفة الأقلام ، واعلموا أن الإنسان في فسحة ممتذّة ،

--> مذهب القدماء في القول بألوهية بعض الكواكب ، فنزله المنصور من قضاء قرطبة ، ثم عفا عنه ، واستدعاه إلى مراكش ، ولم يطل مقامه بها ، فمات سنة 595 ه ، وقد ترجم أكثر كتبه إلى اللغات الأجنبية ، وعليها عول الأوربيون في نهضتهم الحديثة . ( 1 ) الجام : إناء من فضة . ( 2 ) جمع ضرمة بالتحريك : وهي الجمرة والنار ، وسجر التنور : أحماه . ( 3 ) ضري بالشئ كتعب : اعتاده وأولع به ، ويعدى بالهمز والتضعيف ، فيقال : أضريته وضريته : أي أغريته به . ( 4 ) الكلوم جمع كلم بالفتح وهو الجرح .