أحمد زكي صفوت

195

جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة

وقليل ، وإن جمّ ماله ، وإن كان وقته قد فات اكتسابكم ، وتخطّى حسابكم ، فالتمسوه لبنيكم ، واستدركوا منه ما خرج عن أيديكم ، واحملوهم على جمعه ودرسه ، واجعلوا طباعهم ثرى لغرسه ، واستسهلوا ما ينالهم من تعب من جراه « 1 » وسهر يهجر له الجفن كراه ، تعقدوا لهم ولاية عزّ لا تعزل ، وتحلّوهم مثابة رفعة لا يحطّ فارعها ولا يستنزل ، واختاروا العلوم التي يتعقّبها الوقت ، فلا ينالها في غيره « 2 » المقت ، وخير العلوم علوم الشريعة ، وما نجم بمنابتها المريعة « 3 » ، من علوم لسان لا تستغرق الأعمار فصولها ، ولا يضايق ثمرات المعاد حصولها ، فإنها هي آلات لغير ، وأسباب إلى خير منها وخير ، فمن كان قابلا للازدياد ، وألفي فهمه ذا انقياد ، فليخصّ تجويد القرآن بتقديمه ، ثم حفظ الحديث ومعرفة صحيحه من سقيمه ، ثم الشروع في أصول الفقه فهو العلم العظيم المنّة ، المهدى كنوز الكتاب والسّنّة ، ثم المسائل المنقولة عن العلماء الجلّة ، والتدرّج في طرق النظر بصحيح الأدلّة ، وهذه هي الغاية القصوى في الملّة ، ومن قصر إدراكه عن هذا المرمى ، وتقاعد عن التي هي اسمى ، فليرو الحديث بعد تجويد الكتاب وإحكامه ، وليقرأ المسائل الفقهية على مذهب إمامه ، وإياكم والعلوم القديمة ، والفنون المهجورة الذميمة ، فأكثرها لا يفيد إلا تشكيكا ، ورأيا ركيكا ، ولا يثمر في العاجلة إلا اقتحام العيون ، وتطريق الظنون ، وتطويق الاحتقار وسمة الصّغار ، وخمول الأقدار ، والخسف من بعد الإبدار ، وجادّة الشريعة أعرق في الاعتدال ، وأوفق من قطع العمر في الجدال ، هذا ابن رشد « 4 » قاضى المصر ومفتيه

--> ( 1 ) يقال : فعلت ذلك من جراه ومن جرائه بالتشديد ويخففان ، ومن جريرته : أي من أجله ، والكرى : النوم . ( 2 ) غير الدهر : أحداثه المغيرة ، والضمير فيه يعود على الوقت . ( 3 ) المخصبة . ( 4 ) هو أبو الوليد محمد بن أحمد بن محمد بن رشد ، أعظم فلاسفة الأندلس وأطبائها ، ولد سنة 520 ه ودرس علوم الدين والفلسفة والطب ، وانصل بيوسف بن عبد المؤمن زعيم الموحدين ، وشرح له فلسفة أرسطو ، وقد ولاه قضاء إشبيلية ؛ ثم استدعاه إلى المراكش ، وجعله طبيبه الخاص ، ثم جعله قاضى القضاة بقرطبة ، ولما ولى بعده ابنه المنصور باللّه علت مكانة ابن رشد عنده ، فأثار ذلك حسد خصومه ، فكادوا له عند السلطان واتهموه أنه يجحد القرآن ، وينشط الفلسفة وعلوم الأوائل بدلا من علوم الدين ، وينصر -