أحمد زكي صفوت
191
جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة
أنه قال : « تركت فيكم ما إن تمسّكتم به لم تضلّوا بعدى ، كتاب اللّه وسنّتى ، فعضّوا عليهما بالنواجذ « 1 » » . فاعملوا يا بنىّ بوصية من ناصح جاهد ، ومشفق شفقة والد ، واستشعروا حبّه الذي توافرت دواعيه ، وعوا مراشد هديه ، فيا فوز واعيه ! وصلوا السبب بسببه ، وآمنوا بكلّ ما جاء به ، مجملا أو مفصّلا على حسبه ، وأوجبوا التجلّة لصحبه ، الذين اختارهم اللّه تعالى لصحبته ، واجعلوا محبتكم إياهم من توابع محبته ، واشملوهم بالتوقير ، وفضّلوا منهم أولى الفضل الشهير ، وتبرّءوا من العصبيّة التي لم يدعكم إليها داع ، ولا تع التشاجر بينهم أذن واع ، فهو عنوان السّداد ، وعلامة سلامة الاعتقاد ، ثم اسحبوا فضل تعظيمهم على فقهاء الملّة ، وأئمتها الجلّة « 2 » ، فهم صقلة نصولهم ، وفروع ناشئة من أصولهم ، وورثتهم وورثة رسولهم ، واعلموا أنني قطعت في البحث زماني ، وجعلت النظر شانى ، منذ برانى اللّه تعالى وأنشأنى ، مع نبل « 3 » يعترف به الشانى ، وإدراك يسلّمه العقل الإنسانى ، فلم أجد خابط ورق ، ولا مصبّب عرق ، ولا نازع خطام ، ولا متكلّف فطام ، ولا مقتحم بحر طام ، إلا وغايته التي يقصدها قد نضلتها الشريعة وسبقتها ، وفرعت « 4 » ثنيّتها وارتقتها ، فعليكم بالتزام جادّتها « 5 » السّابلة ، ومصاحبة رفقتها الكاملة ، والاهتداء بأقمارها غير الآفلة ، واللّه تعالى يقول ، وهو أصدق القائلين : « وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ » ، وقد علت شرائعه ، وراع الشكوك رائعه ، فلا تستنزلكم الدنيا عن الدين ، وابذلوا دونه النفوس فعل المهتدين ، فلن ينفع متاع بعد الخلود في النار أبد الآبدين ، ولا يضرّ مفقود مع الفوز بالسعادة واللّه أصدق الواعدين ، ومتاع الحياة الدنيا أخسّ ما ورث الأولاد عن الوالدين ، اللهم قد بلّغت فأنت خير الشاهدين ، فاحذروا المعاطب التي توجب في الشقاء الخلود ، وتستدعى شوه الوجوه ونضج الجلود ، واستعيذوا برضا اللّه من سخطه ، واربئوا بنفوسكم عن غمطه ، وارفعوا آمالكم عن القنوع بغرور قد خدع
--> ( 1 ) أقصى الأضراس . ( 2 ) جمع جليل . ( 3 ) النبل : الذكاء والنجابة ، والشانى : المبغض . ( 4 ) فرعه : علاه ، والثنية : العقبة ، أو الجبل أو الطريقة فيه أو إليه . ( 5 ) الجادة : الطريق الواضح ، والسابلة من الطرق المسلوكة .