أحمد زكي صفوت

192

جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة

أسلافكم ، ولا تحمدوا على جيفة العرض الزائل ائتلافكم ، واقنعوا منه بما تيسّر ، ولا تأسوا « 1 » على ما فات وتعذّر ، فإنما هي دجنّة « 2 » ينسخها الصّباح ، وصفقة يتعاقبها الخسار أو الرّباح ، ودونكم عقيدة الإيمان فشدّوا بالنواجذ عليها ، وكفكفوا الشّبه أن تدنو إليها ، واعلموا أن الإخلال بشئ من ذلك خرق لا يرفؤه « 3 » عمل ، وكلّ ما سوى الراعي همل ، وما بعد الرأس في صلاح الجسم أمل ، وتمسّكوا بكتاب اللّه تعالى حفظا وتلاوة ، واجعلوا حمله على حمل التكليف علاوة ، وتفكروا في آياته ومعانيه ، وامتثلوا أوامره ونواهيه ولا تتأولوه ولا تغلوا فيه ، وأشربوا قلوبكم حبّ من أنزل على قلبه ، وأكثروا من بواعث حبّه ، وصونوا شعائر اللّه صون المحترم ، واحفظوا القواعد التي ينبنى عليها الإسلام حتى لا ينخرم ، اللّه اللّه في الصلاة ذريعة التّجلّة ، وخاصّة الملّة ، وحاقنة الدم ، وغنى المستأجر المستخدم ، وأم العبادة ، وحافظة اسم المراقبة لعالم الغيب والشّهادة ، والناهية عن الفحشاء والمنكر ، إن عرض الشيطان عرضها ، ووطّأ للنفس الأمّارة سماءها وأرضها ، والوسيلة إلى بلّ الجوانح ببرود الذكر ، وإيصال تحفة اللّه إلى مريض الفكر ، وضامنة حسن العشرة من الجار ، وداعية للمسالمة من الفجّار ، والواسمة بسمة السلامة ، والشّاهدة للعبد برفع الملامة ، وغسول « 4 » الطبع إذا شانه طبع ، والخير الذي كلّ ما سواه له تبع ، فاصبروا النفس على وظائفها ، بين بدء وإعادة ، فالخير عادة ، ولا تفضّلوا عليها الأشغال البدنيّة ، وتؤثروا على العليّة الدّنيّة ، فإن أوقاتها المعيّنة بالانفلات تنبسّ « 5 » ، والفلك بها من أجلكم لا يحبس ، وإذا قورنت بالشواغل فلها الجاه الأصيل ، والحكم الذي لا يغيّره الغدوّ ولا الأصيل ، والوظائف بعد أدائها لا تفوت ، وأين حقّ من يموت من حق الحي الذي لا يموت ؟ وأحكموا أوضاعها إذا أقمتموها ، وأتبعوها النوافل ما أطقتموها ، فبالإتقان تفاضلت الأعمال ، وبالمراعاة

--> ( 1 ) ولا تحزنوا . ( 2 ) الدجنة : الظلمة . ( 3 ) رفأ الثوب كمنع : لأم خرقه ، وضم بعضه إلى بعض . ( 4 ) الغسول كصبور وتنور : الماء يغتسل به ، وفي الأصل « غاسول » وهو تحريف ، والطبع الشين والعيب . ( 5 ) أي تذهب وتضيع ، يقال : انبس الرجل إذا ذهب ، وفي الأصل « تبنس » وأراه محرفا .