أحمد زكي صفوت
190
جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة
صبح نصحى فقد بان ، وسأعيد عليكم وصيّة لقمان ، أعوذ باللّه من الشيطان الرجيم : « وَإِذْ قالَ لُقْمانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ : يا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ ، إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ - يا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلى ما أَصابَكَ إِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ . وَلا تُصَعِّرْ « 1 » خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ ، وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ ، وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ » وأعيد وصية خليل اللّه وإسرائيله حكم « 2 » ما تضمّنه حكم تنزيله « يا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ » والدين الذي ارتضاه واصطفاه ، وأكمله ووفّاه ، وقرّره مصطفاه ، من قبل أن يتوفّاه ، إذا أعمل فيه انتقاد ، فهو عمل واعتقاد ، وكلاهما مقرّر ، ومستمدّ من عقل أو نقل محرر ، والعقل متقدّم ، وبناؤه مع رفض أخيه متهدّم ، فاللّه واحد أحد ، فرد صمد « 3 » ، ليس له والد ولا ولد ، تنزّه عن الزمان والمكان ، وسبق وجوده وجود الأكوان ، خالق الخلق وما يعملون ، الذي لا يسأل عن شيء وهم يسألون ، الحىّ العليم المدبّر القدير ، ليس كمثله شيء وهو السّميع البصير ، أرسل الرسل رحمة لتدعو الناس إلى النجاة من الشقاء ، وتوجّه الحجّة في مصيرهم إلى دار البقاء ، مؤيّدة بالمعجزات التي لا تتّصف أنوارها بالاختفاء ، ولا يجوز على تواترها دعوى الانتفاء ، ثم ختم ديوانهم بنبىّ ملّتنا المرعية الهمل ، الشاهدة على الملل ، فتلخّصت الطاعة ، وتعيّنت الإمرة المطاعة ، ولم يبق بعده إلا ارتقاب الساعة ، ثم إن اللّه تعالى قبضه إذ كان بشرا ، وترك دينه يضمّ من الأمة نشرا « 4 » ، فمن تبعه لحق به ، ومن تركه نوّط « 5 » عنه في منسبه ، وكانت نجاته على قدر سببه ، روى عنه عليه الصلاة والسلام
--> ( 1 ) صعر خده : أماله كبرا . ( 2 ) إسرائيله : يعقوب عليه السلام ، والحكم : الحكمة ، وهو بدل من وصية . ( 3 ) الصمد : السيد ، لأنه يصمد أي يقصد في قضاء الحوائج . ( 4 ) النشر : المنتشر ، ومنه : « اللهم اضمم نشرى » . ( 5 ) أي أبعد عنه وطرد ، يقال ناطت الدار : أي بعدت .