أحمد زكي صفوت
189
جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة
اللحد ولا تسل ، فبالأمس كنتم فراخ حجر « 1 » ، واليوم أبناء عسكر مجر ، وغدا شيوخ مضيعة وهجر ، والقبور فاغرة « 2 » ، والنفوس عن المألوفات صاغرة ، والدنيا بأهلها ساخرة ، والأولى تعقبها الآخرة ، والحازم من لم يتّعظ به في أمر ، وقال : « بيدي لا بيد عمرو « 3 » » ، فاقتنوها من وصيّة ، ومرام « 4 » في النصح قصيّة ، خصّوا بها أولادكم إذا عقلوا ، ليجدوا زادها إذا انتقلوا ، وحسبي وحسبكم اللّه الذي لم يخلق الخلق هملا ، ولكن ليبلوهم أيّهم أحسن عملا ، ولا رضى الدنيا منزلا ، ولا لطف يمن أصبح عن فئة الخير منعزلا ، ولتلقّنوا تلقينا وتعلموا علما يقينا ، أنكم لن تجدوا بعد أن أنفرد بذنبي ، ويفترش التراب جنبي ، ويسحّ انسكابى ، وتهرول عن المصلّى ركابى ، أحرص منى على سعادة إليكم تجلب ، أو غاية كمال بسببكم ترتاد وتطلب ، حتى لا يكون في الدين والدنيا أورف « 5 » منكم ظلّا ، ولا أشرف محلّا ، ولا أغبط نهلا وعلّا « 6 » ، وأقل ما يوجب ذلك عليكم أن تصيخوا « 7 » إلى قولي الآذان ، وتستلمحوا
--> ( 1 ) أي كالفراخ في حجر أمها وحضنها ، والمجر : الكثير من كل شيء ، وجيش مجر : كثير جدا . ( 2 ) أي فاتحة أفواهها للموتى . ( 3 ) هو مثل قالته الزباء ملكة الجزيرة ، وذلك أنها كانت دعت جذيمة الأبرش ملك ما على شاطئ الفرات إلى زواجها . فلما استقر عندها قتلته ثأرا بأبيها - وكان جذيمة قد قتله - فاحتال مولاه قصير للثأر منها ، نجدع أنفه وأثر آثارا بظهره ، ثم خرج إلى الزباء ، وأظهر أن عمرو بن عدي - ابن أخت جذيمة - فعل ذلك به ، وأنه زعم أنه مكر بخاله جذيمة وغره من الزباء ، فلما استرسلت إليه ووثقت به ، زين لها أن تبعثه إلى العراق ليحمل إليها من طرائفها وثيابها وطيبها ، وأنها ستصيب في ذلك أرباحا عظاما ، فأذنت له وقدم العراق ، وأتى الحيرة متنكرا ، وزوده عمرو بصنوف البز والأمتعة ، ورجع إلى الزباء ، فأعجبها ما رأت وسرها ، وازدادت به ثقة ، وجهزته ثانية ، فسار حتى قدم على عمرو فجهزه وعاد إليها ، ثم عاد الثالثة وجمع ثقات رجال عمرو ، وحملهم في الغرائر على الجمال ، وسار إلى الزباء ، ودخلت الإبل المدينة وكانت الزباء قد حذرت عمرا ، واتخذت نفقا إلى حصن لها في داخل مدينتها ، وقالت : إن فجأنى أمر دخلت النفق إلى حصني - ودل قصير عمرا على باب النفق ، فلما خرجت الرجال من الغرائر صاحوا بأهل المدينة ووضعوا فيهم السلاح ، وقام عمرو على باب النفق ، وأقبلت الزباء تريد النفق ، فأبصرت عمرا فعرفته بالصورة التي صورت لها - فصت خاتمها وكان فيه السم ، وقالت : « بيدي لا بيد عمرو » فذهبت مثلا ، وتلقاها عمرو فجللها بالسيف وقتلها ، وأصاب ما أصاب من المدينة وأهلها ، وانكفأ راجعا إلى العراق . ( 4 ) مرام جمع مرمى ، وقصية بعيدة . ( 5 ) ورف الظل : اتسع وطال وامتد . ( 6 ) النهل : الشرب الأول ، والعل والعلل : الشرب الثاني أو الشرب بعد الشرب تباعا . ( 7 ) أصاخ له استمع .