أحمد زكي صفوت
179
جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة
بعدله فيمن بها من الخاصّة والعوام ، لم يزل يدلّ على حسن اختيارك بحسن سيرته ، ويرضى اللّه تعالى ويرضى الناس بظاهره وسريرته ، ما علمنا عليه من سوء ، ولا درينا له موقف خزي ، ولم يزل جاريا على ما يرضى اللّه تعالى ويرضيك ويرضينا ، إلى أن تعرضت بنو حسّون للطعن في أحكامه ، والهدّ من أعلامه ، ولم يعلموا أن اهتضام المقدّم راجع على المقدّم ، بل جمحوا في لجاجهم ، فعموا وصمّوا ، وفعلوا وأمضوا ما به همّوا ، وإلى السّحب يرفع الكفّ من قد جفّ عنه مسيل عين ونهر » . فملا سمعه بلاغة أعقبت نصره ونصر صاحبه . ( نفح الطيب 2 : 240 ) 13 - موعظة ابن أبي رندقة الطرطوشى المتوفى سنة 520 ه للأفضل بن أمير الجيوش دخل ابن أبي رندقة الطّرطوشىّ « 1 » مرة على الأفضل « 2 » بن أمير الجيوش فوعظه ، وقال له : « إن الأمر الذي أصبحت فيه من الملك ، إنما صار إليك بموت من كان قبلك ، وهو خارج عن يدك ، بمثل ما صار إليك ، فاتق اللّه فيما خوّلك من هذه الأمة ، فإن اللّه عزّ وجلّ سائلك عن النّقير والقطمير والفتيل « 3 » ، واعلم أن اللّه عزّ وجلّ آتي سليمان بن داود
--> ( 1 ) هو الفقيه العالم أبو بكر محمد بن الوليد بن محمد بن خلف بن سليمان بن أيوب الفهري الطرطوشى ( بضم الطاءين ، وقد تفتح الطاء الأولى ، نسبة إلى طرطوشة من بلاد الأندلس ) ويعرف بابن أبى رندقة وكان زاهدا عابدا متورعا متقللا من الدنيا قوالا للحق ، رحل إلى المشرق ، ودخل بغداد والبصرة ، وسكن الشأم مدة ، ودرس بها ، وكان الأفضل بن أمير الجيوش يكرهه ، فلما ولى بعده المأمون بن البطائحي أكرم الطرطوشى إكراما كثيرا ، وله ألف الشيخ « سراج الملوك » وتوفى بالإسكندرية سنة 520 ه . ( 2 ) هو الوزير الأفضل بن بدر الجمالى أمير الجيوش المشهور ، وكان أبوه بدر الجمالى حاكم عكا ، فأرسل إليه الخليفة الفاطمي المستنصر يسأله القدوم إلى مصر لإصلاح أحوالها المضطربة إذ ذاك ، فقدم إليها ، وتولى شؤونها ، وأقام معوجها ، وصارت له فيها الكلمة النافذة ، ثم لابنه الأفضل . ( 3 ) النقير : النقرة التي في ظهر النواة ، والقطمير : القشرة الرقيقة التي بين النواة والتمرة ، والفتيل : ما يكون في شق النواة .