أحمد زكي صفوت

180

جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة

ملك الدنيا بحذافيرها ، فسخّر له الإنس والجن والشياطين والطير والوحوش والبهائم ، وسخّر له الريح تجرى بأمره رخاء « 1 » حيث أصاب ، ورفع عنه حساب ذلك أجمع ، فقال عزّ من قائل : « هذا عطاؤنا فامتن « 2 » أو أمسك بغير حساب » ، فما عدّ ذلك نعمة كما عددتموها ، ولا حسبها كرامة كما حسبتموها ، بل خاف أن يكون استدراجا من اللّه عزّ وجلّ فقال : « هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي ، لِيَبْلُوَنِي « 3 » أَ أَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ » ، فافتح الباب ، وسهّل الحجاب ، وانصر المظلوم . ( نفح الطيب 1 : 363 ) 14 - خطبة ابن تومرت مؤسس دولة الموحدين ( المتوفى سنة 534 ه ) استدعى محمد بن عبد اللّه بن تومرت « 4 » مؤسس دولة الموحدين أصحابه ، قبل موته بأيام يسيرة ، وقد أراد أن يستخلف عليهم عبد المؤمن بن علىّ ، فلما حصروا بين يديه قام :

--> ( 1 ) الرخاء : الريح اللينة . ( 2 ) أي فأعط منه من شئت . ( 3 ) بلاء : اختبره . ( 4 ) هو محمد بن عبد اللّه بن تومرت من جبل السوس في أقصى بلاد المغرب ، ولد سنة 485 ه ، ورحل إلى المشرق سنة 501 ه في طلب العلم ، وانتهى إلى بغداد ، وقيل إنه لقى أبا حامد الغزالي ، ثم رجع إلى المغرب ، وقامت دعوته في أول الأمر في صورة آمر بالمعروف ، ناه عن المنكر ، فاتبعه بعض القوم ، وخرج هو وأصحابه إلى السوس ، وشرع في التدريس والدعاء إلى الخير : وما زال يستميل القلوب حتى كثرت شيعته ، ثم جعل يذكر المهدى ويشوق إليه ، وجمع الأحاديث التي جاءت فيه ، فلما قرر في نفوسهم فضيلة المهدى ، ادعى ذلك لنفسه ، وتسمى بالمهدى ، ورفع نسبه إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم وادعى أنه من نسل الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب ، وصرح بدعوى العصمة لنفسه وأنه المهدى المعصوم ، وروى في ذلك أحاديث كثيرة حتى استقر عندهم أنه المهدى ، فبايعوه على ذلك ، ولما كانت سنة 517 ه جهز جيشا عظيما - وكانت مراكش تحت إمرة المرابطين - فقال : اقصدوا هؤلاء المارقين المبدلين الذين تسموا بالمرابطين ، فادعوهم إلى إماتة المنكر ، وإحياء المعروف ، وإزالة البدع ، والإقرار بالإمام المهدى المعصوم ، فإن أجابوكم فهم إخوانكم ، لهم ما لكم وعليهم ما عليكم ، وإن لم يفعلوا فقاتلوهم فقد أباحت لكم السنة قتالهم ، وأمر على الجيش عبد المؤمن بن علي ، فخرجوا إلى مراكش فلقيهم المرابطون قريبا منها بجيش ضخم أميرهم الزبير بن علي بن يوسف بن تاشفين ، فدعوهم إلى ما أمرهم به ابن تومرت فردوا عليهم أسوأ رد ، ثم التقت الفئتان ، فانهرم أصحاب ابن تومرت وقتل منهم خلق كثير ، فلما رجع القوم إلى ابن تومرت جعل يهون عليهم أمر الهزيمة ، ويقرر في نفوسهم أن قتلاهم شهداء ، لأنهم ذابون -