أحمد زكي صفوت
176
جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة
استملحه منه ، وقد أمرنا لك بما لا يقصر عن ذلك ، ما هو أنوه وأحسن عائدة ، وكتب له بمال وخلع وموضع يعيش منه ، ثم رد رأسه إلى المتكلم في شأن الرمادي - وقد كان يغوص في الأرض لو وجد ، لشدة ما حلّ به مما رأى وسمع - وقال : « والعجب من قوم يقولون : الابتعاد من الشعراء أولى من الاقتراب ، نعم ، ذلك لمن ليس له مفاخر ، يريد تخليدها ، ولا أياد يرغب في نشرها ، فأين الذين قيل فيهم : على مكثريهم رزق من يعتريهم * وعند المقلّين السّماحة والبذل « 1 » وأين الذي قيل فيه : إنما الدنيا أبو دلف * بين مبدأه ومحتضره فإذا ولّى أبو دلف * ولّت الدنيا على أثره « 2 » أما كان في الجاهلية والإسلام أكرم ممن قيل فيه هذا القول ؟ بلى ، ولكن صحبة الشعراء والإحسان إليهم ، أحيت غابر ذكراهم ، وخصّتهم بمفاخر عصرهم ، وغيرهم لم تخلّد الأمداح « 3 » مآثرهم ، فدثر ذكرهم ، ودرس فخرهم » . ( نفح الطيب 2 : 226 )
--> ( 1 ) البيت لزهير بن أبي سلمى من قصيدة في مدح آل هرم بن سنان . ( 2 ) البيتان لعلي بن جبلة الأنباري الملقب بالعكوك من قصيدة قالهما في مدح أبى دلف القاسم بن عيسى العجلي - وكان جوادا ممدحا وفيها يقول : كل من في الأرض من عرب * بين باديه إلى حضره مستعير منه مكرمة * يكتسبها يوم مفتخره وهذا البيتان الأخيران أحفظا عليه المأمون ، فطلبه حتى ظفر به ، فسل لسانه من قفاه ، ويقال : بل هرب ولم يزل متواريا منه حتى مات . قال صاحب الأغانى : « وهذا هو الصحيح من القولين ، والآخر شاذ » ( 3 ) لم أجد هذا الجمع في كتب اللغة ، وإنما الذي فيها : « المدحة بالكسر والمديح والأمدوحة بالضم : ما يمدح به ، والجمع مدح كعنب ومدائح وأماديح » .