أحمد زكي صفوت

177

جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة

11 - ابن اللبانة الشاعر وعز الدولة بن المعتصم بن صمادح لما مات المعتصم بن صمادح « 1 » ملك المريّة ركب البحر ابنه وولىّ عهده الواثق عزّ الدولة ، وفارق الملك كما أوصاه والده المعتصم . قال أبو بكر بن اللبّانة الشاعر : ما علمت حقيقة جور الدهر ، حتى اجتمعت ببجاية « 2 » مع عزّ الدولة بن المعتصم ، فإني رأيت منه خير من يجتمع به ، كأنه لم يخلقه اللّه تعالى إلا للملك والرئاسة ، وإحياء الفضائل ، ونظرت إلى همته تنمّ من تحت خموله ، كما ينمّ فرند « 3 » السيف وكرمه من تحت الصّدأ ، مع حفظه لفنون الأدب والتواريخ ، وحسن استماعه وإسماعه ورقّة طباعه ، ولطافة ذهنه ، ولقد ذكرته لأحد من صحبته من الأدباء في ذلك المكان ، ووصفته بهذه الصفات ، فتشوّق إلى الاجتماع به ، ورغب إلىّ في أن أستأذنه في ذلك ، فلما أعلمت عزّ الدولة قال : « يا أبا بكر ، إنك لتعلم أنّا اليوم في خمول وضيق ، لا يتّسع لنا معهما ، ولا يجمل بنا الاجتماع مع أحد ، لا سيّما مع ذي أدب ونباهة ، يلقانا بعين الرحمة ، ويزورنا بمنّة التفضل في زيارتنا ، ونكابد من ألفاظ توجّعه ، وألحاظ تفجّعه ، ما يجدّد لنا همّا قد بلى ، ويحيى كمدا قد فنى ، وما لنا قدرة على أن نجود عليه بما يرضى عن همّنا ، فدعنا كأننا في قبر ، نتدرّع لسهام الدهر ، بدرع الصبر ، وأما أنت فقد اختلطت بنا اختلاط اللحم بالدم ، وامتزجت امتزاج الماء بالخمر ، فكأنا لم نكشف حالنا لسوانا ، ولا أظهرنا ما بنا لغيرنا ، فلا نحمل غيرك بحملك » .

--> ( 1 ) هو أحد ملوك الطوائف بالأندلس ، وكان صاحب المرية « بلد بالأندلس على الساحل الجنوبي » ، وكان منافسا للمعتمد بن عباد صاحب إشبيلية مناوئا له ، وقد سعى به لدى أمير المرابطين يوسف بن تاشفين وأفسد ما بينهما ، وكان ابن عباد قد استنصر بابن قاشفين لصد غارة الإسبان ، فعبر بجيشه من مراكش إلى الأندلس ، وأبلى بلاء حسنا في قتالهم حتى دارت عليهم الدائرة في وقعة الزلاقة ، ثم مال على ملوك الطوائف ، فاكتسح دولهم ، ودانت له الأندلس . ( 2 ) بجاية : بلد بالمغرب على ساحل بلاد الجزائر . ( 3 ) جوهرة .