أحمد زكي صفوت

175

جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة

من رأى الناس له فض * لا عليهم حسدوه وعرفنا غرضك في هذا الرجل خاصّة ، ولسنا إن شاء اللّه نبلّغ أحدا غرضه في أحد ، ولو بلغناكم بلّغنا في جانبكم ، وإنك ضربت في حديد بارد « 1 » ، وأخطأت وجه الصواب ، فزدت بذلك احتقارا وصغارا ، وإنّى ما أطرقت من كلام الرمادي إنكارا عليه ، بل رأيت كلاما يجلّ عن الأقدار الجليلة ، وتعجّبت من تهدّيه له بسرعة ، واستنباطه له على قلة من الإحسان الغامر ، مالا يستنبطه غيره بالكثير ، واللّه لو حكّمته في بيوت الأموال ، لرأيت أنها لا ترجح ما تكلّم به قلبه ، ذرّة . وإياكم أن يعود أحد منكم إلى الكلام في شخص ، قبل أن يؤخذ معه فيه ، ولا تحكموا علينا في أوليائنا ، ولو أبصرتم منا التغير عليهم ، فإننا لا نتغيّر عليهم بغضا لهم ، وانحرافا عنهم ، بل تأديبا وإنكارا ، فإنا من نريد إبعاده لم نظهر له التغيّر ، بل ننبذه مرة واحدة ، فإن التغيّر إنما يكون لمن يراد استبقاؤه ، ولو كنت ماثل السمع لكل أحد منكم في صاحبه ، لتفرقتم في أيدي سبا « 2 » ، وجونبت أنا مجانبة الأجرب ، وإني قد أطلعتكم على ما في ضميري ، فلا تعدلوا عن مرضاتي ، فتجنّبوا سخطي بما جنيتموه على أنفسكم » . * * * ثم أمر أن يردّ الرمادي ، وقال له : أعد علىّ كلامك ، فارتاع ، فقال : الأمر على خلاف ما قدّرت ، الثواب أولى بكلامك من العقاب ، فسكن لتأنيسه ، وأعاد ما تكلم به . فقال المنصور : « بلغنا أن النعمان بن المنذر حشا فم النابغة بالدّر ، لكلام

--> ( 1 ) من أمثال العرب : « تضرب : في حديد بارد » وهو مثل يضرب لمن طمع في غير مطمع . ( 2 ) من أمثالهم أيضا : « ذهبوا أيدي سبا ، وتفرقوا أيدي سبا ، وأيادي سبا » ، واليد : الطريق أي فرقتهم طرقهم التي سلكوها كما تفرق أهل سبأ في مذاهب مختلفة . ضرب المثل بهم ، لأنه لما غرق مكانهم ، وذهبت جناتهم ، تبددوا في البلاد - انظر القصة في الجزء الأول صفحة 108 - وقد بنوا أيدي سبا ، وأيادي سبا على السكون لكونه مركبا تركيب خمسة عشر .