أحمد زكي صفوت
172
جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة
فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً » ، وليس في تصديق ما وعد اللّه ارتياب ، ولكل نبإ مستقرّ ، ولكل أجل كتاب . فاحمدوا اللّه أيها الناس على آلائه ، واسألوه المزيد من نعمائه ، فقد أصبحتم بين « 1 » خلافة أمير المؤمنين - أيده اللّه بالعصمة والسداد ، وألهمه خالص التوفيق إلى سبيل الرشاد - أحسن الناس حالا ، وأنعمهم بالا ، وأعزّهم قرارا ، وأمنعهم دارا ، وأكثفهم جمعا ، وأجملهم صنعا ، لا تهاجون ولا تذادون ، وأنتم بحمد اللّه على أعدائكم ظاهرون ، فاستعينوا على صلاح أحوالكم بالمناصحة لإمامكم والتزام الطاعة لخليفتكم وابن عمّ نبيكم صلى اللّه عليه وسلم ، فإن من نزع يده من الطاعة ، وسعى في تفريق الجماعة ، ومرق من الدين ، فقد خسر الدنيا والآخرة ، ذلك هو الخسران المبين . وقد علمتم أن في التعلق بعصمتها ، والتمسك بعروتها ، حفظ الأموال ، وحقن الدماء ، وصلاح الخاصة والدّهماء « 2 » ، وأن بدوام « 3 » الطاعة تقام الحدود ، وتوفّى العهود ، وبها وصلت الأرحام ، ووضحت الأحكام ، وبها سدّ اللّه الخلل ، وأمّن السبل ، ووطّأ الأكناف ، ورفع الاختلاف ، وبها طاب لكم القرار ، واطمأنت بكم الدار ، فاعتصموا بما أمركم اللّه بالاعتصام به ، فإنه تبارك وتعالى يقول : « أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ » ، وقد علمتم ما أحاط بكم في جزيرتكم هذه من ضروب المشركين ، وصنوف الملحدين الساعين في شقّ عصاكم ، وتفريق ملئكم ، الآخذين في مخاذلة دينكم ، وهتك حريمكم ، وتوهين دعوة نبيكم ، صلوات اللّه وسلامه عليه ، وعلى جميع النبيين والمرسلين ، أقول قولي هذا وأختم بالحمد للّه رب العالمين ، مستغفرا اللّه الغفور والرحيم ، فهو خير الغافرين » .
--> ( 1 ) هكذا في نفح الطيب ، ومطمح الأنفس ، ولعل صوابه : « أصبحتم بخلافة أمير المؤمنين » . ( 2 ) الدهماء : جماعة الناس . ( 3 ) في الأصل : « بقوام » ، وأظنه : « بقوام » .