أحمد زكي صفوت

171

جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة

والأموال منتهبة فأحرزها وحصّنها ؟ ألم تكن البلاد خرابا فعمرها ، وثغور المسلمين مهتضمة فحماها ونصرها ؟ فاذكروا آلاء اللّه عليكم بخلافته ، وتلافيه جمع كلمتكم بعد افتراقها بإمامته ، حتى أذهب اللّه عنكم غيظكم ، وشفى صدوركم ، وصرتم يدا على عدوكم ، بعد أن كان بأسكم بينكم . فأنشدكم اللّه ، ألم تكن خلافته قفل الفتنة بعد انطلاقها من عقالها ؟ ألم يتلاف صلاح الأمور بنفسه بعد اضطراب أحوالها ؟ ولم يكل ذلك إلى القوّاد والأجناد ، حتى باشره بالقوّة والمهجة والأولاد ، واعتزل النّسوان ، وهجر الأوطان ، ورفض الدّعة ، وهي محبوبة ، وترك الرّكون إلى الراحة ، وهي مطلوبة بطويّة صحيحة ، وعزيمة صريحة ، وبصيرة ثابتة ، نافذة ثاقبة ، وريح هابّة غالبة ، ونصرة من اللّه واقعة واجبة ، وسلطان قاهر ، وجدّ ظاهر ، وسيف منصور ، تحت عدل مشهور ، متحمّلا للنّصب ، مستقلا لما ناله في جانب اللّه من التعب ، حتى لانت الأحوال بعد شدتها ، وانكسرت شوكة الفتنة عند حدّتها ، ولم يبق لها غارب إلا جبّه « 1 » ، ولا نجم « 2 » لأهلها قرن إلا جدّه ، فأصبحتم بنعمة اللّه إخوانا ، وبلمّ أمير المؤمنين لشعثكم على أعدائه أعوانا ، حتى تواترت لديكم الفتوحات ، وفتح اللّه عليكم بخلافته أبواب الخيرات والبركات ، وصارت وفود الروم وافدة عليه وعليكم ، وآمال الأقصين والأدنين مستخدمة إليه وإليكم ، يأتون من كل فجّ عميق ، وبلد سحيق « 3 » ، لأخذ حبل « 4 » بينه وبينكم جملة وتفصيلا ، ليقضى اللّه أمرا كان مفعولا ، ولن يخلف اللّه وعده ، ولهذا الأمر ما بعده ، وتلك أسباب ظاهرة بادية ، تدل على أحوال باطنة خافية ، دليلها قائم ، وجفنها غير نائم « وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ

--> ( 1 ) الغارب : الكاهل ، أو ما بين السنام والعنق ، وجهه : قطعه . ( 2 ) في الأصل : « نجح » وهو تحريف ، والصواب « نجم » أي ظهر وطلع ، وجده : قطعه . ( 3 ) سحيق : بعيد . ( 4 ) أي معاهدة بينه وبينكم .