أحمد زكي صفوت

166

جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة

مما لو أطلعنى اللّه تعالى عليه لساءنى ، لكن الحمد للّه الذي حفظ ما بين القلوب بستر بعضها عن بعض ، فيما يجول فيها ، وإنك لذو همّة ومطمح ، ومن يكن هكذا يصبر ويغض ويحمل ، ويبدل بالعقاب الثواب ، ويصيّر الأعداء من قبيل الأصحاب ، ويصبر من الشخص على ما يسوء ، فقد يرى منه بعد ذلك ما يسرّ ، ولقد يخفّ علىّ اليوم من قاسيت من فعله وقوله ما لو قطّعتهم عضوا عضوا لما ارتكبوه منى ، ما شفيت منهم غيظي ، ولكن رأيت الإغضاء والاحتمال ، لا سيما عند الاقتدار أولى ، ونظرت إلى جميع من حولى ممّن يحسن ويسيء ، فوجدت القلوب متقاربة بعضها من بعض ، ونظرت إلى المسئ يعود محسنا ، والمحسن يعود مسيئا ، وصرت أندم على من سبق له منى عقاب ، ولا أندم على من سبق له منى ثواب ؛ فالزم يا بنى معالى الأمور ، وإنّ جماعها في التغاضي ، ومن لا يتغاض لا يسلم له صاحب ، ولا يقرب منه جانب ، ولا ينال ما تترقّى إليه همته ، ولا يظفر بأمله ، ولا يجد معينا حين يحتاج إليه » . فقبّل المنذر يده وانصرف ، ولم يزل يأخذ نفسه بما أوصاه والده ، حتى تخلّق بالخلق الجميل ، وبلغ ما أوصاه به أبوه ورفع قدره . ( نفح الطيب 2 : 327 ) 5 - عبد الرحمن الأوسط وابنه المنذر أيضا وقال له أبوه يوما : إن فيك لتيها مفرطا ، فقال له : حقّ لفرع أنت أصله أن يعلو ، فقال له : يا بنىّ ، إن العيون تمجّ التّيّاه ، والقلوب تنفر عنه ، فقال : يا أبى ، لي من العزّ والنسب وعلوّ المكان والسلطان ما يجلّ « 1 » عن ذلك ، وإني لم أر العيون إلا مقبلة علىّ ، ولا الأسماع إلا مصغية إلىّ ، وإن لهذا السلطان رونقا يريقه التبذّل ، وعلوّا يخفضه الانبساط ، ولا يصونه ويشرّفه إلا التّيه والانقباض « 2 » ، وإن هؤلاء الأنذال ،

--> ( 1 ) في الأصل : « يجمل » ، وأرى صوابه : « يجل » ( 2 ) جرى وذلك على سنن أبي مسلم الخراساني ، وكان يقول لقواده إذا أخرجهم : « لا تكلموا الناس الا رمزا ، ولا تلحظوهم إلا شزرا ، لتمتلئ صدورهم من هيبتكم » - انظر العقد الفريد 2 : 299 -