أحمد زكي صفوت

165

جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة

مكثر التشكى ممن لا يقدر عليه لوالده الأمير عبد الرحمن ، فطال ذلك على الأمير ، فأمر ثقة من ثقاته أن يبنى بجبل منقطع عن العمران بناء يسكن فيه ابنه ، وألّا يدع أحدا من أصحابه يزوره ، فلما استقر المنذر في ذلك المكان ، وبقي وحده ، ونظر إلى ما سلبه من الملك ، ضجر وقال للثقة : عسى أن يصلنى غلماني وأصحابي آنس بهم ! فقال له : إن الأمير أمر ألّا يصلك أحد ، وأن تبقى وحدك ، لتستريح مما يرفع لك أصحابك من الوشاية ، فعلم أن الأمير قصد بذلك محنته وتأديبه ، فكتب إليه يشكو استيحاشه « 1 » بمكانه ، فلما وقف الأمير على رقعته ، وعلم أن الأدب بلغ به حقّه استدعاه ، فقال له : « وصلت رقعتك ، تشكو ما أصابك من توحّش الانفراد ، في ذلك الموضع ، وترغب أن تأنس بخولك « 2 » وعبيدك وأصحابك ، وإن كان لك ذنب يترتب عليه أن تطول سكناك في ذلك المكان ، وما فعلت ذلك عقابا لك ، وإنما رأيناك تكثر الضّجر والتشكّى من القال والقيل ، فأردنا راحتك بأن نحجب عنك سماع كلام من يرفع لك وينمّ ، حتى تستريح منهم » . فقال له : « سماع ما كنت أضجر منه ، أخفّ علىّ من التوحد والتوحش ، والتخلّي مما أنا فيه من الرفاهية والأمر والنهى » . فقال له : « فإذ قد عرفت وتأدّبت ، فارجع إلى ما اعتدته ، وعوّل على أن تسمع كأنك لم تسمع ، وترى كأنك لم تر ، وقد قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « لو تكاشفتم ما تدافنتم » ، واعلم أنك أقرب الناس إلىّ ، وأحبّهم فىّ ، وبعد هذا فما يخلو صدرك في وقت من الأوقات عن إنكار علىّ ، وسخط لما أفعله في جانبك ، أو جانب غيرك ،

--> ( 1 ) ونص الكتاب : « إني قد توحشت في هذا الموضع توحشا ما عليه من مزيد ، وعدمت فيه من كنت آنس إليه ، وأصبحت مسلوب العز ، فقيد الأمر والنهى ، فإن كان ذلك عقابا لذنب كبير ارتكبته ، وعلمه مولاي ولم أعلمه ، فإني صابر على تأديبه ، ضارع إليه في عفوه وصفحه . وإن أمير المؤمنين وفعله * لكالدهر ، لا عار بما فعل الدهر » ( 2 ) الخول : مثال الخدم والحشم وزنا ومعنى .