أحمد زكي صفوت
136
جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة
ولا تمل عن العدل فيما أحببت أو كرهت ، لقريب من الناس أو يعيد ، وآثر الفقه وأهله ، والدين وحملته ، وكتاب اللّه والعاملين به ، فإن أفضل ما تزيّن به المرء الفقه في دين اللّه ، والطلب له ، والحث عليه ، والمعرفة بما يتقرّب به إلى اللّه ، فإنه الدليل على الخير كله ، والقائد له ، والآمر به ، والناهى عن المعاصي والموبقات كلها ، وبها مع توفيق اللّه تزداد العباد معرفة باللّه عزّ وجلّ ، وإجلالا له ، ودركا للدرجات العلا في المعاد ، مع ما في ظهوره للناس من التوقير لأمرك ، والهيبة لسلطانك ، والأنسة بك ، والثقة بعدلك ، وعليك بالاقتصاد في الأمور كلها ، فليس شيء أبين نفعا ، ولا أحضر أمنا ، ولا أجمع فضلا من القصد ، والقصد داعية إلى الرشد ، والرشد دليل على التوفيق ، والتوفيق قائد إلى السعادة ، وقوام الدين والسنن الهادية بالاقتصاد ، فآثره في دنياك كلها ، ولا تقصّر في طلب الآخرة والأجر والأعمال الصالحة ، والسنن المعروفة ، ومعالم الرشد ، فلا غاية للاستكثار من البرّ والسعي له ، إذا كان يطلب به وجه اللّه ومرضاته ومرافقة أوليائه في دار كرامته ، واعلم أنّ القصد في شأن الدنيا يورث العزّ ويحصّن من الذنوب ، وإنك لن تحوط « 1 » نفسك ومن يليك ، ولا تستصلح أمورك بأفضل منه ، فأته واهتد به تتمّ أمورك ، وتزد مقدرتك ، وتصلح خاصتك وعامتك ، وأحسن الظن باللّه عزّ وجلّ تستقم لك رعيتك ، والتمس الوسيلة إليه في الأمور كلها ، تستدم به النعمة عليك ، ولا تتهمن أحدا من الناس فيما توليه من عملك قبل أن تكشف أمره ، فإن إيقاع التهم بالبرآء ، والظنون السيئة بهم مأثم ، واجعل من شأنك حسن الظن بأصحابك ، واطرد عنك سوء الظن بهم ، وارفضه فيهم ، يعينك ذلك على اصطناعهم « 2 » ورياضتهم ، ولا يجدنّ عدو اللّه الشيطان في أمرك مفخرا ، فإنه إنما يكتفى بالقليل من وهنك « 3 » ، فيدخل عليك من الغم في سوء الظن ما ينغصك لذاذة عيشك ، واعلم أنك
--> ( 1 ) تصون . ( 2 ) اصطنعتك لنفسي : اخترتك لخاصة أمر أستكفيك إياه . ( 3 ) الوهن بسكون الهاء وفتحها ، الضعف .